تفسير الميزان ج٦
128دخالة الوصف في الحكم الذي هو نفي الجناح كقوله تعالى في خطاب المؤمنين: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ}: البقرة: ٢٣٢، و هو شائع في اللسان.
و ظاهر قوله: {ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا} اعتبار الإيمان بعد الإيمان، و ليس إلا الإيمان التفصيلي بكل حكم حكم مما جاء به الرسول من عند ربه من غير رد و امتناع، و لازمه التسليم للرسول فيما يأمر به و ينهى عنه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ}: الحديد: ٢٨، و قال تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اَللَّهِ} إلى أن قال {فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}: النساء - ٦٥، و الآيات في هذا المعنى كثيرة.
و ظاهر قوله: {ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا} إضافة الإحسان إلى الإيمان بعد الإيمان اعتبارا، و الإحسان هو إتيان العمل على وجه حسنة من غير نية فاسدة كما قال تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}: الكهف: ٣٠، و قال: {اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}: آل عمران: ١٧٢، أي يكون استجابتهم ابتغاء لوجه الله و تسليما لأمره لا لغرض آخر، و من الإحسان ما يتعدى إلى الغير، و هو أن يوصل إلى الغير ما يستحسنه، قال تعالى: {وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}: البقرة: ٨٣، و قال: {وَ أَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ}: القصص: ٧٧.
و المناسب لمورد الآية هو المعنى الأول من معنيي الإحسان، و هو إتيان الفعل على جهة حسنة فإن التقوى الديني لا يوفى حقه بمجرد الإيمان بالله و تصديق حقية دينه ما لم يؤمن تفصيلا بكل واحد واحد من الأحكام المشرعة في الدين فإن رد الواحد منها رد لأصل الدين، و لا أن الإيمان التفصيلي بكل واحد واحد يوفى به حق التقوى ما لم يحسن بالعمل بها و في العمل بها بأن يجري على ما يقتضيه الحكم من فعل أو ترك، و يكون هذا الجري ناشئا من الانقياد و الاتباع لا عن نية نفاقية فمن الواجب على المتزود بزاد التقوى أن يؤمن بالله و يعمل صالحا، و أن يؤمن برسوله في جميع ما جاء به، و أن يجري في جميع ذلك على نهج الاتباع و الإحسان.
و أما تكرار التقوى ثلاث مرات، و تقييد المراتب الثلاث جميعا به فهو لتأكيد

