تفسير الميزان ج٦
127مستحق للعقاب فلا يصح أن يطلق عليه هذا اللفظ، و فيه أنه لا يصح تخصيص المؤمنين بالذكر فليكن مثل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ اَلطَّيِّبَاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ}: الأعراف: ٣٢، و قوله: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً}: الأنعام: ١٤٥ حيث لم يذكر في الخطاب مؤمن و لا كافر، أو مثل قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى} إلى قوله {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: الحجرات: ١٣ حيث وجه الخطاب إلى الناس الشامل للمؤمن و الكافر.
و ذكر بعضهم: أن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحريم و التحليل فلذلك خص المؤمن بالذكر، و فيه ما في سابقه من الإشكال مع أنه لا يرفع الإشكال الناشئ من قوله: {إِذَا مَا اِتَّقَوْا} «إلخ».
فالذي ينبغي أن يقال: إن الآية في معنى الآيات السابقة عليها على ما هو ظاهر اتصالها بها، و هي متعرضة لحال من ابتلي من المسلمين بشرب الخمر و طعمها، أو بالطعم لشيء منها أو مما اقتناه بالميسر أو من ذبيحة الأنصاب كأنهم سألوا بعد نزول التحريم الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر، أو بها و بغيرها مما ذكره الله تعالى في الآية قبل نزول التحريم من إخوانهم الماضين أو الباقين المسلمين لله سبحانه في حكمه.
فأجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الذين آمنوا و عملوا الصالحات إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإيمان بالله و العمل الصالح ثم الإيمان بكل حكم نازل على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ثم الإحسان بالعمل على طبق الحكم النازل.
و بذلك يتبين أن المراد بالموصول في قوله: {فِيمَا طَعِمُوا} هو الخمر من حيث شربها أو جميع ما ذكر من الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام من حيث ما يصح أن يتعلق بها من معنى الطعم، و المعنى: ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما ذاقوه قبل نزول التحريم من خمر أو منها و من غيرها من المحرمات المذكورة.
و أما قوله: {إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا} فظاهر قوله: {إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ} إنه إعادة لنفس الموضوع المذكور في قوله: {لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} للدلالة على

