تفسير الميزان ج٦
126مسوقة لرفع الحظر عن هذا الطعام المطلق، و قد قيد رفع الحظر بقوله: {إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا} و المتيقن من معنى هذا القيد و قد ذكر فيه التقوى ثلاث مرات هو التقوى الشديد الذي هو حق التقوى.
فنفي الجناح للمؤمنين المتقين عن مطلق ما طعموا (الطعام المحلل) إن كان لغرض إثبات المفهوم في غيرهم أي إثبات مطلق المنع لغير أهل التقوى من سائر المؤمنين و الكفار ناقضه أمثال قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ اَلطَّيِّبَاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ}: الأعراف: ٣٢، على أن من المعلوم من مذاق هذا الدين أنه لا يمنع أحدا عن الطيبات المحللة التي تضطر الفطرة إلى استباحتها في الحياة.
و إن لم تكن الآية مسوقة لتحريمه على غير من ذكر عاد المعنى إلى مثل قولنا: يجوز الطعام للذين آمنوا و عملوا الصالحات بشرط أن يتقوا ثم يتقوا ثم يتقوا، و من المعلوم أن الجواز لا يختص بالذين آمنوا و عملوا الصالحات بل يعمهم و غيرهم، و على تقدير اختصاصه بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد.
و لا يخلو عن أحد هذين الإشكالين جميع ما ذكروه في توجيه الآية بناء على حمل قوله: {فِيمَا طَعِمُوا} على مطلق الطعام المحلل فإن المعنى الذي ذكروه لا يخرج عن حدود قولنا: لا جناح على الذين آمنوا و عملوا الصالحات إذا اتقوا المحرمات أن يطعموا المحللات، و لا يسلم هذا المعنى عن أحد الإشكالين كما هو واضح.
و ذكر بعضهم: أن في الآية حذفا، و التقدير: ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا و غيره إذا ما اتقوا المحارم، و فيه أنه تقدير من غير دليل مع بقاء المحذور على حاله.
و ذكر بعضهم: أن الإيمان و العمل الصالح جميعا ليس بشرط حقيقي بل المراد بيان وجوب اتقاء المحارم فشرك معه الإيمان و العمل الصالح للدلالة على وجوبه، و فيه أن ظاهر الآية أنها مسوقة لنفي الجناح فيما طعموا، و لا شرط له من إيمان أو عمل صالح أو اتقاء محارم على ما تقدم، و ما أبعد المعنى الذي ذكره عن ظاهر الآية.
و ذكر بعضهم: أن المؤمن يصح أن يطلق عليه أنه لا جناح عليه، و الكافر

