تفسير الميزان ج٦
125من عمل الشيطان، و أن الشيطان لا يريد بها إلا إيقاع العداوة و البغضاء بينكم في الخمر و الميسر و صدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فلا يصاب لها مورد يخلص فيه النفع عن الإثم حتى تباح فيه، فافهم ذلك.
قوله تعالى: {أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ اِحْذَرُوا}، إلى آخر الآية تأكيد للأمر السابق باجتناب هذه الأرجاس أولا بالأمر بطاعة الله سبحانه و بيده أمر التشريع، و ثانيا بالأمر بطاعة الرسول و إليه الإجراء، و ثالثا بالتحذير صريحا.
ثم في قوله: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلى رَسُولِنَا اَلْبَلاَغُ اَلْمُبِينُ} تأكيد فيه معنى التهديد و خاصة لاشتماله على قوله: {فَاعْلَمُوا} فإن فيه تلويحا إلى أنكم إن توليتم و اقترفتم هذه المعاصي فكأنكم ظننتم أنكم كابرتم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في نهيه عنها و غلبتموه، و قد جهلتم أو نسيتم أنه رسول من قبلنا ليس له من الأمر شيء إلا بلاغ مبين لما يوحى إليه و يؤمر بتبليغه، و إنما نازعتم ربكم في ربوبيته.
و قد تقدم في أول الكلام أن الآيات تشتمل على فنون من التأكيد في تحريم هذه الأمور، و هي الابتداء بقوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا}، ثم الإتيان بكلمة الحصر، ثم التوصيف بالرجس، ثم نسبتها إلى عمل الشيطان، ثم الأمر بالاجتناب صريحا، ثم رجاء الفلاح في الاجتناب، ثم ذكر مفاسدها العامة من العداوة و البغضاء و الصرف عن ذكر الله و عن الصلاة، ثم التوبيخ على عدم انتهائهم، ثم الأمر بطاعة الله و رسوله و التحذير عن المخالفة، ثم التهديد على تقدير التولي بعد البلاغ المبين.
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى آخر الآية الطعم و الطعام هو التغذي، و يستعمل في المأكول دون المشروب، و هو في لسان المدنيين البر خاصة، و ربما جاء بمعنى الذوق، و يستعمل حينئذ بمعنى الشرب كما يستعمل بمعنى الأكل قال تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}: البقرة: ٢٤٩، و في بعض الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه قال في ماء زمزم أنه طعام طعم و شفاء سقم.
و الآية لا تصلح بسياقها إلا أن تتصل بالآيات السابقة فتكون دفع دخل تتعرض لحال المؤمنين ممن ابتلي بشرب الخمر قبل نزول التحريم أو قبل نزول هذه الآيات، و ذلك أن قوله فيها: {فِيمَا طَعِمُوا} مطلق غير مقيد بشيء مما يصلح لتقييده، و الآية

