تفسير الميزان ج٦
121اَلشَّيْطَانُ} إلى أن قال {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} فبين أن دعوته لا كدعوة إنسان إنسانا إلى أمر بالمشافهة بل بحيث يرعى الداعي المدعو من غير عكس.
و قد فصل القول في جميع ذلك قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوَاسِ اَلْخَنَّاسِ اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنَّاسِ}: الناس: ٥، فبين أن الذي يعمل الشيطان بالتصرف في الإنسان هو أن يلقي الوسوسة في قلبه فيدعوه بذلك إلى الضلال.
فيتبين بذلك كله أن كون الخمر و ما ذكر بعدها رجسا من عمل الشيطان هو أنها منتهية إلى عمل الشيطان الخاص به، و لا داعي لها إلى الإلقاء و الوسوسة الشيطانية التي تدعو إلى الضلال، و لذلك سماها رجسا و قد سمى الله سبحانه الضلال رجسا في قوله: {وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اَللَّهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَ هَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً}: الأنعام: ١٢٦.
ثم بين معنى كونها رجسا ناشئا من عمل الشيطان بقوله في الآية التالية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اَلشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدَاوَةَ وَ اَلْبَغْضَاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ وَ عَنِ اَلصَّلاَةِ} أي إنه لا يريد لكم في الدعوة إليها إلا الشر و لذلك كانت رجسا من عمله.
فإن قلت: ملخص هذا البيان أن معنى كون الخمر و أضرابها رجسا هو كون عملها أو شربها مثلا منتهيا إلى وسوسة الشيطان و إضلاله فحسب، و الذي تدل عليه عدة من الروايات أن الشيطان هو الذي ظهر للإنسان و عملها لأول مرة و علمه إياها.
قلت: نعم، و هذه الأخبار و إن كانت لا تتجاوز الآحاد بحيث يجب الأخذ بها إلا أن هناك أخبارا كثيرة متنوعة واردة في أبواب متفرقة تدل على تمثل الشيطان للأنبياء و الأولياء و بعض أفراد الإنسان من غيرهم كأخبار أخر حاكية لتمثل الملائكة، و أخرى دالة على تمثل الدنيا و الأعمال و غير ذلك و الكتاب الإلهي يؤيدها بعض التأييد كقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا}: مريم: ١٧، و سنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: {سُبْحَانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ}: الإسراء: ١، أو في محل آخر مناسب لذلك.
و الذي يجب أن يعلم أن ورود قصة ما في خبر أو أخبار لا يوجب تبدل آية من الآيات مما لها من الظهور المؤيد بآيات أخر، و ليس للشيطان من الإنسان إلا التصرف

