تفسير الميزان ج٦
12ذكره لأن هذا هو المحصل من البحث في حالات الإنسان الأولية فالنظر في أمر المحسوسات و الاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكر في المعقولات و المعاني و أنحاء اعتبارها و التصرف فيها.
و إذا فرضت الولاية و هي القرب الخاص في الأمور المعنوية كان لازمها أن للولي ممن وليه ما ليس لغيره إلا بواسطته فكل ما كان من التصرف في شئون من وليه مما يجوز أن يخلفه فيه غيره فإنما يخلفه الولي لا غيره كولي الميت، فإن التركة التي كان للميت أن يتصرف فيها بالملك فإن لوارثه الولي أن يتصرف فيها بولاية الوراثة، و ولي الصغير يتصرف بولايته في شئون الصغير المالية بتدبير أمره، و ولي النصرة له أن يتصرف في أمر المنصور من حيث تقويته في الدفاع، و الله سبحانه ولي عباده يدبر أمرهم في الدنيا و الآخرة لا ولي غيره، و هو ولي المؤمنين في تدبير أمر دينهم بالهداية و الدعوة و التوفيق و النصرة و غير ذلك، و النبي ولي المؤمنين من حيث إن له أن يحكم فيهم و لهم و عليهم بالتشريع و القضاء، و الحاكم ولي الناس بالحكم فيهم على مقدار سعة حكومته، و على هذا القياس سائر موارد الولاية كولاية العتق و الحلف و الجوار و الطلاق و ابن العم، و ولاية الحب و ولاية العهد و هكذا، و قوله: {يُوَلُّونَ اَلْأَدْبَار} أي يجعلون أدبارهم تلي جهة الحرب و تدبر أمرها، و قوله {تَوَلَّيْتُمْ} أي توليتم عن قبوله أي اتخذتم أنفسكم تلي جهة خلاف جهته بالإعراض عنه أو اتخذتم وجوهكم تلي خلاف جهته بالإعراض عنه؛ فالمحصل من معنى الولاية في موارد استعمالها هو نحو من القرب يوجب نوعا من حق التصرف و مالكية التدبير.
و قد اشتمل قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا} «إلخ» من السياق على ما يدل على وحدة ما في معنى الولاية المذكورة فيه حيث تضمن العد في قوله: {اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا} و أسند الجميع إلى قوله: {وَلِيُّكُمُ} و ظاهره كون الولاية في الجميع بمعنى واحد. و يؤيد ذلك أيضا قوله في الآية التالية: {فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْغَالِبُون} حيث يشعر أو يدل على كون المتولين جميعا حزبا لله لكونهم تحت ولايته؛ فولاية الرسول و الذين آمنوا إنما هو من سنخ ولاية الله.
و قد ذكر الله سبحانه لنفسه من الولاية، الولاية التكوينية التي تصحح له التصرف في كل شيء و تدبير أمر الخلق بما شاء، و كيف شاء قال تعالى: {أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ

