تفسير الميزان ج٦
110معا و إلا لغا القيد.
و الجواب: أنه ليس قيدا احترازيا لإخراج ما هو رزق غير حلال و لا طيب بل قيد توضيحي مساو لمقيده، و النكتة في الإتيان به بيان أن كونه حلالا طيبا لا يدع عذرا لمعتذر في الاجتناب و الكف عنه على ما تقدم، و قد تقدم الكلام في معنى الرزق في ذيل الآية ٢٧ من سورة آل عمران في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمَانَ} اللغو ما لا يترتب عليه أثر من الأعمال، و الأيمانجمع يمين و هو القسم و الحلف؛ قال الراغب في المفردات: و اليمين في الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد و المحالف و غيره، قال تعالى: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ}، {وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}، {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} انتهى، و التعقيد مبالغة في العقد و قرئ: عقدتم بالتخفيف، و قوله: {فِي أَيْمَانِكُمْ} متعلق بقوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ} أو بقوله: {بِاللَّغْوِ} و هو أقرب.
و التقابل الواقع بين قوله: {بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} و قوله: {بِمَا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمَانَ} يعطي أن المراد باللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه الحالف، و إنما يجري على لسانه جريا لعادة اعتادها أو لغيرها و هو قولهم و خاصة في قبيل البيع و الشري: لا و الله، بلى و الله، بخلاف ما عقد عليه عقدا بالالتزام بفعل أو ترك كقول القائل: و الله لأفعلن كذا، و و الله لأتركن كذا.
هذا هو الظاهر من الآية، و لا ينافي ذلك أن يعد شرعا قول القائل: و الله لأفعلن المحرم الفلاني، و الله لأتركن الواجب الفلاني مثلا من لغو اليمين لكون الشارع ألغى اليمين فيما لا رجحان فيه، فإنما هو إلحاق من جهة السنة، و ليس من الواجب أن يدل القرآن على خصوص كل ما ثبت بالسنة بخصوصه.
و أما قوله: {وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمَانَ} فلا يشمل إلا اليمين الممضاة شرعا لمكان قوله في ذيل الآية: {وَ اِحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} فإنه لا مناص عن شموله لهذه الأيمان بحسب إطلاق لفظه، و لا معنى للأمر بحفظ الأيمان التي ألغى الله سبحانه اعتبارها فالمتعين أن اللغو من الأيمان في الآية ما لا عقد فيه، و ما عقد عليه هو اليمين الممضاة.

