تفسير الميزان ج٦
106(بيان)
الآيات الثلاثة و عدة من الآيات الواقعة بعدها إلى بضع و مائة من آيات السورة آيات مبينة لعدة من فروع الأحكام، و هي جميعا كالمتخللة بين الآيات المتعرضة لقصص المسيح (عليه السلام) و النصارى، و هي لكونها طوائف متفرقة نازلة في أحكام متنوعة كل منها ذات استقلال و تمام في ما تقصده من المعنى يشكل القضاء كونها نزلت دفعة أو صاحبت بقية آيات السورة في النزول إذ لا شاهد يشهد بذلك من مضامينها، و أما ما ورد من أسباب النزول فسيأتي بعض ما هو العمدة منها في البحث الروائي.
و كذلك القول في هذه الآيات الثلاث المبحوث عنها فإن الآية الثالثة مستقلة في معناها، و تستقل عنها الآية الأولى و إن لم تخلو من نوع من المناسبة فبينهما بعض الارتباط من جهة أن من جملة مصاديق لغو اليمين أن تتعلق بتحريم بعض الطيبات مما أحله الله تعالى، و لعل هذا هو الداعي لمن نقل عنه في أسباب النزول أنه ذكر نزول الآيات جميعا في اليمين اللاغية.
هذا حال الآية الأولى مع الثالثة، و أما الآية الثانية فكأنها من تمام الآية الأولى كما يشهد به بعض الشهادة ذيلها أعني قوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} بل و صدرها حيث يشتمل على العطف، و على الأمر بأكل الحلال الطيب الذي تنهى الآية الأولى عن تحريمه و اجتنابه، و بذلك تلتئم الآيتان معنى و تتحدان حكما ذواتي سياق واحد.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ}، قال الراغب في المفردات: الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلهي، و إما بمنع قهري، و إما بمنع من جهة العقل أو جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره، انتهى موضع الحاجة.
و قال أيضا: أصل الحل حل العقدة، و منه قوله عز و جل: {وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}، و حللت: نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول ثم جرد استعماله للنزول فقيل: حل حلولا و أحله غيره، قال عز و جل: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ}، {وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ}، و يقال: حل الدين وجب أداؤه، و الحلة القوم النازلون و حي حلال مثله، و المحلة مكان النزول، و عن حل العقدة أستعير قولهم: حل الشيء حلا

