تفسير الميزان ج٦
104أمعنا في حقيقة معناها وجدناها مبنية على أساس توحيد الصانع، و إثبات شفعاء عنده؛ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اَللَّهِ زُلْفى} و إن انحرفت بعد عن مجراها، و آل أمرها إلى إعطاء الاستقلال و الأصالة لآلهة دون الله.
و الفطرة الداعية إلى توحيد الإله و إن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة و الكبرياء ذاتا و صفة على ما تقدم بيانه بالاستفادة من الكتاب العزيز غير أن ألفة الإنسان و أنسه في ظرف حياته بالآحاد العددية من جانب، و بلاء المليين بالوثنيين و الثنويين و غيرهم لنفي تعدد الآلهة من جانب آخر سجل عددية الوحدة و جعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه.
و لذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم و اليونان و إسكندرية و غيرهم ممن بعدهم يعطي الوحدة العددية حتى صرح بها مثل الرئيس أبي علي بن سينا في كتاب الشفاء، و على هذا المجرى يجري كلام غيره ممن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبوية.
و أما أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العددية أيضا في عين أن هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامة؛ فهذا ما يتحصل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة.
فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة، غير أن أهل التفسير و المتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة و التابعين ثم الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف، فهذه جوامع الحديث و كتب التفسير المأثورة منهم لا ترى فيها أثرا من هذه الحقيقة لا ببيان شارح، و لا بسلوك استدلالي.
و لم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلا ما ورد في كلام الإمام علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصة، فإن كلامه هو الفاتح لبابها، و الرافع لسترها و حجابها على أهدى سبيل و أوضح طريق من البرهان، ثم ما وقع في كلام الفلاسفة الإسلاميين بعد الألف الهجري، و قد صرحوا بأنهم إنما استفادوه من كلامه (عليه السلام).
و هذا هو السر في اقتصارنا في البحث الروائي السابق على نقل نماذج من غرر كلامه (عليه السلام) الرائق، لأن السلوك في هذه المسألة و شرحها من مسلك الإحتجاج

