تفسير الميزان ج٦
101ذاته ذات و إلا لهدده بالتحديد و قهره بالتقدير، فهو المحيط بكل شيء، المهيمن على كل أمر، و لا يلحقه صفة تمتاز عن ذاته، فإن في ذلك بطلان أزليته و عدم محدوديته.
و إن صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحد يدفع الغير أو يدفعه الغير كما أن العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوما و مصداقا، و لا تدافع بينهما فيه تعالى، بل الصفة عين الصفة و عين كل صفة من صفاته العليا و الاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى.
بل إن هنالك ما هو ألطف معنى و أبعد غورا من ذلك و هو أن هذه المعاني و المفاهيم للعقل بمنزلة الموازين و المكاييل يوزن و يكتال بها الوجود الخارجي و الكون الواقعي؛ فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن و إن ضممنا بعضها إلى بعض، و استمددنا من أحدها للآخر، لا يغترف بأوعيتها إلا ما يقاربها في الحد، فإذا فرضنا أمرا غير محدود ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلا المحدود و هو غيره، و كلما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعاليا و ابتعادا.
فمفهوم العلم مثلا هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعده كمالا لما يوجد له، و في هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة و الحياة مثلا، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا: علم لا كالعلوم فهب أنه يخلص من بعض التحديد لكنه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه و هو عدم شموله ما وراءه (و لكل مفهوم وراء يقصر عن شموله) و إضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدي إلى بطلان خاصة المفهومية، و هو ظاهر.
و هذا هو الذي يحير الإنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبه و عقله، و هو المستفاد من قوله (عليه السلام): «لا تحده الصفات» و من قوله فيما تقدم من خطبته المنقولة: «و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه» و قوله أيضا في تلك الخطبة: «الذي ليس لصفته حد محدود، و لا نعت موجود» و أنت ترى أنه (عليه السلام) يثبت الصفة في عين أنه ينفيها أو ينفي حدها، و من المعلوم أن إثباتها هي لا تنفك عن الحد فنفي الحد عنها إسقاط لها بعد إقامتها، و يئول إلى أن إثبات شيء من صفات الكمال فيه لا ينفي ما وراءها فتتحد الصفات بعضها مع بعض ثم تتحد مع الذات و لا حد، ثم لا ينفي ما وراءها مما لا مفهوم لنا نحكي عنه، و لا إدراك لنا يتعلق به فافهم ذلك.

