تفسير الميزان ج۵
77عن وزنه الاجتماعي و يسلب عنه الاعتماد و الثقة العامة.
و على هذا فاجتماع الخطيئة و الإثم على نحو الترديد و نسبتهما جميعا إلى الكسب في قوله: {وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً} (الآية) يوجب اختصاص كل منهما بما يختص به من المعنى، و المعنى و الله أعلم : أن من يكسب معصية لا تتجاوز موردها وبالا كترك بعض الواجبات كالصوم أو فعل بعض المحرمات كأكل الدم أو يكسب معصية يستمر وبالها كقتل النفس من غير حق و السرقة ثم يرم بها بريئا بنسبتها إليه فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا.
و في تسمية نسبة العمل السيئ إلى الغير رميا و الرمي يستعمل في مورد السهم و كذا في إطلاق الاحتمال على قبول وزر البهتان استعارة لطيفة كان المفتري يفتك بالمتهم البريء برميه بالسهم فيوجب له فتكه أن يتحمل حملا يشغله عن كل خير مدى حياته من غير أن يفارقه.
و من ما تقدم يظهر وجه اختلاف التعبير عن المعصية في الآيات الكريمة تارة بالإثم و أخرى بالخطيئة و السوء و الظلم و الخيانة و الضلال، فكل واحد من هذه الألفاظ هو المناسب بمعناه لمحله الذي حل فيه.
قوله تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ} (إلى آخر الآية) السياق يدل على أن المراد بهمهم بإضلال النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) هو همهم أن يرضوه بالدفاع عن الذين سماهم الله تعالى في صدر الآيات بالخائنين و الجدال عنهم و على هذا فالمراد بهذه الطائفة أيضا هم الذين عدل الله سبحانه إلى خطابهم بقوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} (الآية) و ينطبق على قوم أبي طعمة على ما سيجيء.
و أما قوله: {وَ مَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} فالمراد به بقرينة قوله بعده: {وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} إن إضلال هؤلاء لا يتعدى أنفسهم و لا يتجاوزهم إليك، فهم الضالون بما هموا به لأنه معصية و كل معصية ضلال.
و لهذا الكلام معنى آخر تقدمت الإشارة إليه في الكلام على قوله: {وَ مَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ} (آل عمران: ٦٩) في الجزء الثالث من هذا الكتاب، لكنه لا يناسب هذا المقام.

