تفسير الميزان ج۵
61(بيان)
الآيات تشرع صلاة الخوف و القصر في السفر، و تنتهي إلى ترغيب المؤمنين في تعقيب المشركين و ابتغائهم، و هي مرتبطة بالآيات السابقة المتعرضة للجهاد و ما لها من مختلف الشئون.
قوله تعالى: {وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاَةِ} الجناح الإثم و الحرج و العدول، و القصر النقص من الصلاة، قال في المجمع: في قصر الصلاة ثلاث لغات: قصرت الصلاة أقصرها و هي لغة القرآن، و قصرتها تقصيرا، أقصرتها إقصارا.
و المعنى: إذا سافرتم فلا مانع من حرج و إثم أن تنقصوا شيئا من الصلاة، و نفي الجناح الظاهر وحده في الجواز لا ينافي وروده في السياق للوجوب كما في قوله تعالى: {إِنَّ اَلصَّفَا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} (البقرة: ١٥٨) مع كون الطواف واجبا، و ذلك أن المقام مقام التشريع، و يكفي فيه مجرد الكشف عن جعل الحكم من غير حاجة إلى استيفاء جميع جهات الحكم و خصوصياته، و نظير الآية بوجه قوله تعالى: {وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (الآية) (البقرة: ١٨٤).
قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا} الفتنة و إن كانت ذات معان كثيرة مختلفة لكن المعهود من إطلاقها في القرآن في خصوص الكفار و المشركين التعذيب من قتل أو ضرب و نحوهما، و قرائن الكلام أيضا تؤيد ذلك فالمعنى: إن خفتم أن يعذبوكم بالحملة و القتل.
و الجملة قيد لقوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ» جُنَاحٌ} و تفيد أن بدء تشريع القصر في الصلاة إنما كان عند خوف الفتنة، و لا ينافي ذلك أن يعم التشريع ثانيا جميع صور السفر الشرعي و إن لم يجامع الخوف فإنما الكتاب بين قسما منه، و السنة بينت شموله لجميع الصور كما سيأتي في الروايات.
قوله تعالى: {وَ إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} إلى قوله {وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ}

