تفسير الميزان ج۵
48منها: أن المراد بالتفضيل في صدر الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين أولي الضرر بدرجة و في ذيل الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر بدرجات.
و منها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة الدنيوية كالغنيمة و حسن الذكر و نحوهما و بالدرجات في آخر الآية المنازل الأخروية و هي أكثر بالنسبة إلى الدنيا، قال تعالى:.{وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ} (إسراء ٢١).
و منها: أن المراد بالدرجة في صدر الآية المنزلة عند الله، و هي أمر معنوي، و بالدرجات في ذيل الآية منازل الجنة و درجاتها الرفيعة و هي حسية، و أنت خبير بأن هذه الأقوال لا دليل عليها من جهة اللفظ.
و الضمير في قوله: {مِنْهُ} لعله راجع إلى الله سبحانه، و يؤيده قوله: {وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً} بناء على كونه بيانا للدرجات، و المغفرة و الرحمة من الله، و يمكن رجوع الضمير إلى الأجر المذكور قبلا.
و قوله: {وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً} ظاهره كونه بيانا للدرجات فإن الدرجات و هي المنازل من الله سبحانه أيا ما كانت فهي مصداق المغفرة و الرحمة، و قد علمت في بعض المباحث السابقة أن الرحمة و هي الإفاضة الإلهية للنعمة تتوقف على إزالة الحاجب و رفع المانع من التلبس بها، و هي المغفرة، و لازمه أن كل مرتبة من مراتب النعم، و كل درجة و منزلة رفيعة مغفرة بالنسبة إلى المرتبة التي بعدها، و الدرجة التي فوقها، فصح بذلك أن الدرجات الأخروية كائنة ما كانت مغفرة و رحمة من الله سبحانه، و غالب ما تذكر الرحمة و ما يشابهها في القرآن تذكر معها المغفرة كقوله: {مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (المائدة: ٩) و قوله: {وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال: ٤)، و قوله: {مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود: ١١)، و قوله: {وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانٌ} (الحديد: ٢٠)، و قوله: {وَ اِغْفِرْ لَنَا وَ اِرْحَمْنَا} (البقرة: ٢٨٦) إلى غير ذلك من الآيات.
ثم ختم الآية بقوله: {وَ كَانَ اَللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} و مناسبة الاسمين مع مضمون الآية ظاهرة لا سيما بعد قوله في ذيلها {وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً} .
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ اَلْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} لفظ {تَوَفَّاهُمُ} صيغة ماض أو صيغة مستقبل و الأصل تتوفاهم حذفت إحدى التاءين من اللفظ تخفيفا نظير قوله

