تفسير الميزان ج۵
25الرسول و إلى أولي الأمر لاتبعتم الشيطان جميعا بالوقوع في الضلال إلا قليلا منكم من أهل الفطرة السليمة فإنهم لا يزيغون عن الحق و الصلاح. و فيه أنه تخصيص الفضل و الرحمة بحكم خاص من غير دليل يدل عليه، و هو بعيد من البيان القرآني، مع أن ظاهر الآية أنه امتنان في أمر ماض منقض.
و قيل: إن الآية على ظاهرها، و المؤمنون غير المخلصين يحتاجون إلى فضل و رحمة زائدين و إن كان المخلصون أيضا لا يستغنون عن العناية الإلهية، و فيه أن الذي يوهمه الظاهر حينئذ مما يجب في بلاغة القرآن دفعه و لم يدفع في الآية. و قد قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً} (النور: ٢١) و قال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم)و هو خير الناس: {وَ لَوْ لاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ اَلْحَيَاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمَاتِ} (الإسراء: ٧٥).
و قيل: إن المراد بالفضل و الرحمة القرآن و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم). و قيل: المراد بهما الفتح و الظفر، فيستقيم الاستثناء لأن الأكثرين إنما يثبتون على الحق بما يستطاب به قلوبهم من فتح و ظفر و ما أشبههما من العنايات الظاهرية الإلهية، و لا يصبر على مر الحق إلا القليل من المؤمنين الذين هم على بصيرة من أمرهم. و قيل: الاستثناء إنما هو من قوله: {أَذَاعُوا بِهِ} و قيل: الاستثناء من قوله: {اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} و قيل: إن الاستثناء إنما هو في اللفظ و هو دليل على الجمع و الإحاطة، فمعنى الآية: و لو لا فضل الله عليكم و رحمته لاتبعتم الشيطان جميعا، و هذا نظير قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسى إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ} (الأعلى: ٧) فاستثناء المشية يفيد عموم الحكم بنفي النسيان، و جميع هذه الوجوه لا تخلو من تكلف ظاهر.
قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ} التكليف من الكلفة بمعنى المشقة لما فيه من تحميل المشقة على المكلف، و التنكيل من النكال، و هو على ما في المجمع: ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب فهو عقاب المتخلف لئلا يعود إلى مثله و ليعتبر به غيره من المكلفين.
و الفاء في قوله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ} للتفريع و الأمر بالقتال متفرع على المتحصل من مضامين الآيات السابقة. و هو تثاقل القوم في الخروج إلى العدو و تبطئتهم في ذلك، و يدل عليه ما يتلوه من الجمل أعني قوله: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} (إلخ) فإن المعنى: فإذا

