تفسير الميزان ج۵
164فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فآية المائدة بالنسبة إلى هذه المعاني المشتركة بينها و بين تلك مؤكدة لتلك الآيات.
بل النهي عنها و خاصة عن الثلاثة الأول أعني الميتة و الدم و لحم الخنزير أسبق تشريعا من نزول سورتي الأنعام و النحل المكيتين، فإن آية الأنعام تعلل تحريم الثلاثة أو خصوص لحم الخنزير بأنه رجس، فتدل على تحريم أكل الرجز، و قد قال تعالى في سورة المدثر و هي من السور النازلة في أول البعثة : {وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر: ٥).
و كذلك ما عده تعالى بقوله: {وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مَا أَكَلَ اَلسَّبُعُ} جميعا من مصاديق الميتة بدليل قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} فإنما ذكرت في الآية لنوع عناية بتوضيح أفراد الميتة و مزيد بيان للمحرمات من الأطعمة من غير أن تتضمن الآية فيها على تشريع حديث.
و كذلك ما عده الله تعالى بقوله: {وَ مَا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} فإنهما و إن كانا أول ما ذكرا في هذه السورة لكنه تعالى علل تحريمهما أو تحريم الثاني منهما على احتمال ضعيف بالفسق، و قد حرم الفسق في آية الأنعام، و كذا قوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} يدل على تحريم ما ذكر في الآية لكونه إثما، و قد دلت آية البقرة على تحريم الإثم، و قال تعالى أيضا: {وَ ذَرُوا ظَاهِرَ اَلْإِثْمِ وَ بَاطِنَهُ} (الأنعام: ١٢٠)، و قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ} (الأعراف: ٣٣).
فقد اتضح و بان أن الآية لا تشتمل فيما عدته من المحرمات على أمر جديد غير مسبوق بالتحريم فيما تقدم عليها من الآيات المكية أو المدنية المتضمنة تعداد محرمات الأطعمة من اللحوم و نحوها.
قوله تعالى: {وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مَا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} المنخنقة هي البهيمة التي تموت بالخنق، و هو أعم من أن يكون عن اتفاق أو بعمل عامل اختيارا، و من أن يكون بأي آلة و وسيلة كانت كحبل يشد على عنقها و يسد بضغطة مجرى تنفسها، أو بإدخال رأسها بين خشبتين، كما كانت هذه الطريقة و أمثالها دائرة بينهم في الجاهلية.

