تفسير الميزان ج۵
150و قد تقدم البحث عن الآية في الكلام على خلقة المسيح في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} تفريع على صدر الكلام بما أنه معلل بقوله: {إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ} (إلخ) أي فإذا كان كذلك وجب عليكم الإيمان على هذا النحو، و هو أن يكون إيمانا بالله بالربوبية و لرسله و منهم عيسى بالرسالة، و لا تقولوا ثلاثة انتهوا حال كون الانتهاء أو حال كون الإيمان بالله و رسله و نفي الثلاثة خيرا لكم.
و الثلاثة هم الأقانيم الثلاثة: الأب و الابن و روح القدس، و قد تقدم البحث عن ذلك في الآيات النازلة في أمر المسيح (عليه السلام) من سورة آل عمران.
قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} السبحان مفعول مطلق مقدر الفعل، يتعلق به قوله: {أَنْ يَكُونَ} و هو منصوب بنزع الخافض، و التقدير: أسبحه تسبيحا و أنزهه تنزيها من أن يكون له ولد، و الجملة اعتراض مأتي به للتعظيم.
و قوله: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} حال أو جملة استيناف، و هو على أي حال احتجاج على نفي الولد عنه سبحانه، فإن الولد كيفما فرض هو الذي يماثل المولد في سنخ ذاته متكونا منه، و إذا كان كل ما في السماوات و الأرض مملوكا في أصل ذاته و آثاره لله تعالى و هو القيوم لكل شيء وحده فلا يماثله شيء من هذه الأشياء فلا ولد له.
و المقام مقام التعميم لكل ما في الوجود غير الله عز اسمه و لازم هذا أن يكون قوله: {مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} تعبيرا كنائيا عن جميع ما سوى الله سبحانه إذ نفس السماوات و الأرض مشمولة لهذه الحجة، و ليست مما في السماوات و الأرض بل هي نفسها.
ثم لما كان ما في الآية من أمر و نهي هداية عامة لهم إلى ما هو خير لهم في دنياهم و أخراهم ذيل الكلام بقوله: {وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً} أي وليا لشئونكم، مدبرا لأموركم، يهديكم إلى ما هو خير لكم و يدعوكم إلى صراط مستقيم.
قوله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لاَ اَلْمَلاَئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ} احتجاج آخر على نفي ألوهية المسيح (عليه السلام) مطلقا سواء فرض كونه ولدا أو أنه ثالث

