تفسير الميزان ج۵
148(بيان)
بعد ما أجاب عما اقترحه أهل الكتاب من سؤالهم رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) تنزيل كتاب من السماء ببيان أن رسوله إنما جاء بالحق من عند ربه، و أن الكتاب الذي جاء به من عند ربه حجة قاطعة لا ريب فيها استنتج منه صحة دعوة الناس كافة إلى نبيه و كتابه.
و قد كان بين فيما بين أن جميع رسله و أنبيائه و قد ذكر فيهم عيسى على سنة واحدة متشابهة الأجزاء و الأطراف، و هي سنة الوحي من الله فاستنتج منه صحة دعوة النصارى و هم أهل كتاب و وحي إلى أن لا يغلوا في دينهم، و أن يلحقوا بسائر الموحدين من المؤمنين، و يقروا في عيسى بما أقروا به هم و غيرهم في سائر الأنبياء أنهم عباد الله و رسله إلى خلقه.
فأخذ تعالى يدعو الناس كافة إلى الإيمان برسوله (صلى الله عليه وآله و سلم) لأن المبين أولا هو صدق نبوته في قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} (الآيات).
ثم دعا إلى عدم الغلو في حق عيسى (عليه السلام) لأنه المتبين ثانيا في ضمن الآيات المذكورة.
ثم دعا إلى اتباع كتابه و هو القرآن الكريم لأنه المبين أخيرا في قوله تعالى: {لَكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} (الآية).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ اَلرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ} خطاب عام لأهل الكتاب و غيرهم من الناس كافة، متفرع على ما مر من البيان لأهل الكتاب، و إنما عمم الخطاب لصلاحية المدعو إليه و هو الإيمان بالرسول كذلك لعموم الرسالة.
و قوله: {خَيْراً لَكُمْ} حال من الإيمان و هي حال لازمة أي حال كون الإيمان من صفته اللازمة أنه خير لكم.
و قوله: {وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} أي إن تكفروا لم يزد كفركم عليكم شيئا، و لا ينقص من الله سبحانه شيئا، فإن كل شيء مما في السماوات و الأرض لله فمن المحال أن يسلب منه تعالى شيء من ملكه فإن في طباع كل شيء مما في السماوات و الأرض أنه لله لا شريك له فكونه موجودا و كونه مملوكا شيء واحد بعينه، فكيف يمكن أن ينزع من ملكه تعالى شيء و هو شيء؟

