تفسير الميزان ج۵
142لكن تقييده بقوله: {بِعِلْمِهِ} يوضح المراد كل الوضوح، و يفيد أن الله سبحانه أنزله إلى رسوله و هو يعلم ما ذا ينزل، و يحيط به و يحفظه من كيد الشياطين.
و إذا كانت الشهادة على الإنزال و الإنزال إنما هو بواسطة الملائكة كما يدل عليه قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ} (البقرة: ٩٧) و قال تعالى في وصف هذا الملك المكرم {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير: ٢١) فدل على أن تحت أمره ملائكة أخرى و هم الذين ذكرهم إذ قال: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} (عبس: ١٦).
و بالجملة لكون الملائكة وسائط في الإنزال فهم أيضا شهداء كما أنه تعالى شهيد و كفى بالله شهيدا.
و الدليل على شهادته تعالى ما أنزله في كتابه من آيات التحدي كقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (إسراء: ٨٨) و قوله: {أَ فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً} (النساء: ٨٢)، و قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} (يونس. ٣٨).
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً} لما ذكر تعالى الحجة البالغة في رسالة نبيه و نزول كتابه من عند الله، و أنه من سنخ الوحي الذي أوحي إلى النبيين من قبله و أنه مقرون بشهادته و شهادة ملائكته و كفى به شهيدا حقق ضلال من كفر به و أعرض عنه كائنا من كان من أهل الكتاب.
و في الآية تبديل الكتاب الذي كان الكلام في نزوله من عند الله بسبيل الله حيث قال {وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ} و فيه إيجاز لطيف كأنه قيل: إن الذين كفروا و صدوا عن هذا الكتاب و الوحي الذي يتضمنه فقد كفروا و صدوا عن سبيل الله و الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله (إلخ).
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} (إلخ) تحقيق و تثبيت آخر مقامه التأكيد من الآية السابقة. و على هذا يكون المراد بالظلم هو الصد عن

