تفسير الميزان ج۵
140أنزل إليك و ما أنزل من قبلك لما وجدوا أن الذي نزل إليك من الوحي يماثل ما نزل من قبلك على سائر النبيين: نوح و من بعده.
و من هنا يظهر (أولا) وجه توصيف من اتبع النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) من أهل الكتاب بالراسخين في العلم و المؤمنين، فإن الآيات السابقة تقص عنهم أنهم غير راسخين فيما علموا غير مستقرين على شيء من الحق و إن استوثق منهم بأغلظ المواثيق، و أنهم غير مؤمنين بآيات الله صادون عنها و إن جاءتهم البينات، فهؤلاء الذين استثناهم الله راسخون في العلم أو مؤمنون حقيقة.
و (ثانيا) وجه ذكر ما أنزل قبلا مع القرآن في قوله: {يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك} لأن المقام مقام نفي الفرق بين القبيلين.
و (ثالثا) أن قوله في الآية التالية: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا} (إلخ) في مقام التعليل لإيمان هؤلاء المستثنين.
قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} في مقام التعليل لقوله: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} كما عرفت آنفا. و محصل المعنى و الله أعلم أنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا لم نؤتك أمرا مبتدعا يختص من الدعاوي و الجهات بما لا يوجد عند غيرك من الأنبياء السابقين، بل الأمر على نهج واحد لا اختلاف فيه، فإنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده، و نوح أول نبي جاء بكتاب و شريعة، و كما أوحينا إلى إبراهيم و من بعده من آله، و هم يعرفونهم و يعرفون كيفية بعثتهم و دعوتهم، فمنهم من أوتي بكتاب كداود أوتي زبورا و هو وحي نبوي، و موسى أوتي التكليم و هو وحي نبوي، و غيرهما كإسماعيل و إسحاق و يعقوب أرسلوا بغير كتاب، و ذلك أيضا عن وحي نبوي.
و يجمع الجميع أنهم رسل مبشرون بثواب الله منذرون بعذابه، أرسلهم الله لإتمام الحجة على الناس ببيان ما ينفعهم و ما يضرهم في أخراهم و دنياهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
قوله تعالى: {وَ اَلْأَسْبَاطِ} تقدم في قوله تعالى: {وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبَاطِ} (آل عمران: ٨٤) أنهم أنبياء من ذرية يعقوب أو من أسباط بني إسرائيل.

