تفسير الميزان ج۵
138عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} فقد استوجبوا بمظالمهم من الله جزاءين: جزاء دنيوي عام و هو تحريم الطيبات، و جزاء أخروي خاص بالكافرين منهم و هو العذاب الأليم.
قوله تعالى: {لَكِنِ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} استثناء و استدراك من أهل الكتاب، و {اَلرَّاسِخُونَ} و ما عطف عليه مبتدأ و {يُؤْمِنُونَ} خبره، و قوله: {مِنْهُمْ} متعلق بالراسخون و {مِنْ} فيه تبعيضية.
و الظاهر أن {اَلْمُؤْمِنُونَ} يشارك {اَلرَّاسِخُونَ} في تعلق قوله: {مِنْهُمْ} به معنى و المعنى: لكن الراسخون في العلم و المؤمنون بالحقيقة من أهل الكتاب يؤمنون بك و بما أنزل من قبلك، و يؤيده التعليل الآتي في قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} (إلخ)، فإن ظاهر الآية كما سيأتي بيان أنهم آمنوا بك لما وجدوا أن نبوتك و الوحي الذي أكرمناك به يماثل الوحي الذي جاءهم به الماضون السابقون من أنبياء الله: نوح و النبيون من بعده، و الأنبياء من آل إبراهيم، و آل يعقوب، و آخرون ممن لم نقصصهم عليك من غير فرق.
و هذا المعنى كما ترى أنسب بالمؤمنين من أهل الكتاب أن يوصفوا به دون المؤمنين من العرب الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} (يس: ٦).
و قوله: {وَ اَلْمُقِيمِينَ اَلصَّلاَةَ} معطوف على {اَلرَّاسِخُونَ} و منصوب على المدح، و مثله في العطف قوله: {وَ اَلْمُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ} و قوله: {وَ اَلْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ} مبتدأ خبره قوله: {أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} و لو كان قوله: {وَ اَلْمُقِيمِينَ اَلصَّلاَةَ} مرفوعا كما نقل عن مصحف ابن مسعود كان هو و ما عطف عليه مبتدأ خبره قوله: {أُولَئِكَ} .
قال في المجمع: اختلف في نصب المقيمين فذهب سيبويه و البصريون إلى أنه نصب على المدح على تقدير أعني المقيمين الصلاة، قالوا: إذا قلت، مررت بزيد الكريم و أنت تريد أن تعرف زيدا الكريم من زيد غير الكريم فالوجه الجر، و إذا أردت المدح و الثناء فإن شئت نصبت و قلت: مررت بزيد الكريم كأنك قلت: أذكر الكريم، و إن شئت رفعت فقلت: الكريم، على تقدير هو الكريم.
و قال الكسائي: موضع المقيمين جر، و هو معطوف على «ما» من قوله: {بِمَا أُنْزِلَ

