تفسير الميزان ج۵
133و ربما ذكر بعض محققي التاريخ أن القصص التاريخية المضبوطة فيه (عليه السلام) و الحوادث المربوطة بدعوته و قصص معاصريه من الحكام و الدعاة تنطبق على رجلين اثنين مسميين بالمسيح و بينهما ما يزيد على خمسمائة سنة : المتقدم منهما محق غير مقتول، و المتأخر منهما مبطل مصلوب، ۱و على هذا فما يذكره القرآن من التشبيه هو تشبيه المسيح عيسى بن مريم رسول الله بالمسيح المصلوب. و الله أعلم.
و قوله: {وَ إِنَّ اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ} أي اختلفوا في عيسى أو في قتله، {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} أي في جهل بالنسبة إلى أمره {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّبَاعَ اَلظَّنِّ} و هو التخمين أو رجحان ما بحسب ما أخذه بعضهم من أفواه بعض.
و قوله: {وَ مَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي ما قتلوه قتل يقين أو ما قتلوه أخبرك خبر يقين، و ربما قيل: إن الضمير في قوله: {وَ مَا قَتَلُوهُ} راجع إلى العلم أي ما قتلوا العلم يقينا. و قتل العلم لغة تمحيضه و تخليصه من الشك و الريب، و ربما قيل: إن الضمير يعود إلى الظن أي ما محضوا ظنهم و ما تثبتوا فيه، و هذا المعنى على تقدير ثبوته معنى غريب لا يحمل عليه لفظ القرآن.
قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ وَ كَانَ اَللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} و قد قص الله سبحانه هذه القصة في سورة آل عمران فقال: {إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رَافِعُكَ إِلَيَّ}٢فذكر التوفي ثم الرفع.
و هذه الآية بحسب السياق تنفي وقوع ما ادعوه من القتل و الصلب عليه فقد سلم من قتلهم و صلبهم، و ظاهر الآية أيضا أن الذي ادعي إصابة القتل و الصلب إياه، و هو عيسى (عليه السلام) بشخصه البدني هو الذي رفعه الله إليه، و حفظه من كيدهم فقد رفع عيسى بجسمه و روحه لا أنه توفي ثم رفع روحه إليه تعالى فهذا مما لا يحتمله ظاهر الآية بمقتضى السياق فإن الإضراب الواقع في قوله: {بَلْ رَفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ} لا يتم بمجرد رفع الروح بعد الموت الذي يصح أن يجامع القتل و الموت حتف الأنف.
فهذا الرفع نوع التخليص الذي خلصه الله به و أنجاه من أيديهم سواء كان توفي عند ذلك بالموت حتف الأنف أو لم يتوف حتف الأنف و لا قتلا و صلبا بل بنحو آخر لا نعرفه أو كان حيا باقيا بإبقاء الله بنحو لا نعرفه فكل ذلك محتمل.
- و عند هذا المحقق يكون التاريخ المشتهر فعلا بالميلادي مشكوكا في صحته.
- سوره آل عمران، الآیه ٥٥

