تفسير الميزان ج۵
130و لا يعدونه كتابا سماويا مع أن القرآن نزل فيما نزل مشفعا بالتحدي و دعوى الإعجاز كما في سور: إسراء، و يونس، و هود، و البقرة النازلة جميعا قبل سورة النساء.
فسؤالهم تنزيل الكتاب من السماء بعد ما كانوا يشاهدونه من أمر القرآن لم يكن إلا سؤالا جزافيا لا يصدر إلا ممن لا يخضع للحق و لا ينقاد للحقيقة و إنما يلغو و يهذو بما قدمته له أيدي الأهواء من غير أن يتقيد بقيد أو يثبت على أساس، نظير ما كانت تتحكم به قريش مع نزول القرآن، و ظهور دعوته فتقول على ما حكاه الله سبحانه عنهم: {لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} (يونس: ٢٠) {أَوْ تَرْقى فِي اَلسَّمَاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ} (إسراء: ٩٣).
و لهذا الذي ذكرناه أجاب الله سبحانه عن مسألتهم (أولا) بأنهم قوم متمادون في الجهالة و الضلالة لا يأبون عن أنواع الظلم و إن عظمت، و الكفر و الجحود و إن جاءت البينة، و عن نقض المواثيق و إن غلظت و غير ذلك من الكذب و البهتان و أي ظلم، و من هذا شأنه لا يصلح لإجابة ما سأله و الإقبال على ما اقترحه.
و (ثانيا) أن الكتاب الذي أنزله الله و هو القرآن مقارن لشهادة الله سبحانه و ملائكته و هو الذي يفصح عن التحدي بعد التحدي بآياته الكريمة.
فقال تعالى في جوابهم أولا: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} أي مما سألوك من تنزيل كتاب من السماء إليهم، {فَقَالُوا أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً} أي إراءة عيان نعاينه بأبصارنا، و هذه غاية ما يبلغه البشر من الجهالة و الهذر و الطغيان {فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} و القصة مذكورة في سورة البقرة (آية: ٥٥-٥٦) و سورة الأعراف (آية: ١٥٥).
ثم قال تعالى {ثُمَّ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَاتُ} و هذه عبادة الصنم بعد ظهور بطلانه أو بيان أن الله سبحانه منزه عن شائبة الجسمية و الحدوث، و هو من أفظع الجهالات البشرية {فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَ آتَيْنَا مُوسى سُلْطَاناً مُبِيناً} و قد أمرهم موسى في ذلك أن يتوبوا إلى بارئهم فيقتلوا أنفسهم فأخذوا فيه فعفا الله عنهم و لما يتم التقتيل و لما يقتل الجميع، و هو المراد بالعفو، و آتى موسى (عليه السلام) سلطانا مبينا حيث سلطه عليهم و على السامري و عجله، و القصة مذكورة في سورة البقرة (آية: ٥٤).
ثم قال تعالى: {وَ رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اَلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} و هو الميثاق الذي أخذه الله منهم

