تفسير الميزان ج۵
129(بيان)
الآيات تذكر سؤال أهل الكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) تنزيل كتاب من السماء عليهم حيث لم يقنعوا بنزول القرآن بوحي الروح الأمين نجوما، و نجيب عن مسألتهم.
قوله تعالى: {يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ اَلسَّمَاءِ} أهل الكتاب هم اليهود و النصارى على ما هو المعهود في عرف القرآن في أمثال هذه الموارد و عليه فالسائل هو الطائفتان جميعا دون اليهود فحسب.
و لا ينافيه كون المظالم و الجرائم المعدودة في ضمن الآيات مختصة باليهود كسؤال الرؤية، و اتخاذ العجل، و نقض الميثاق عند رفع الطور و الأمر بالسجدة و النهي عن العدو في السبت و غير ذلك.
فإن الطائفتين ترجعان إلى أصل واحد و هو شعب إسرائيل بعث إليهم موسى و عيسى (عليه السلام) و إن انتشرت دعوة عيسى بعد رفعه في غير بني إسرائيل كالروم و العرب و الحبشة و مصر و غيرهم، و ما قوم عيسى بأقل ظلما لعيسى من اليهود لموسى (عليه السلام).
و لعد الطائفتين جميعا ذا أصل واحد يخص اليهود بالذكر فيما يخصهم من الجزاء حيث قال: {فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} و لذلك أيضا عد عيسى بين الرسل المذكورين بعد كما عد موسى (عليه السلام) بينهم و لو كان وجه الكلام إلى اليهود فقط لم يصح ذلك، و لذلك أيضا قيل بعد هذه الآيات: {يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ} (إلخ).
و بالجملة السائل هم أهل الكتاب جميعا و وجه الكلام معهم لاشتراكهم في الخصيصة القومية و هو التحكم و القول بغير الحق و المجازفة و عدم التقيد بالعهود و المواثيق، و الكلام جار معهم فيما اشتركوا فإذا اختص منهم طائفة بشيء خص الكلام به.
و الذي سألوه رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) هو أن ينزل عليهم كتابا من السماء، و لم يسألوه ما سألوه قبل نزول القرآن و تلاوته عليهم كيف و القصة إنما وقعت في المدينة و قد بلغهم من القرآن ما نزل بمكة و شطر مما نزل بالمدينة؟ بل هم ما كانوا يقنعون به دليلا للنبوة،

