تفسير الميزان ج۵
126و تكفر بمحمد صلى الله عليهم أجمعين، و هؤلاء على زعمهم لا يكفرون بالله و ببعض رسله، و إنما يكفرون ببعض الرسل، و قد أطلق الله عليهم أنهم كافرون بالله و رسله جميعا و لذلك احتيج إلى بيان المراد من إطلاق قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ}.
و لذلك عطف على قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ} قوله: {وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اَللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ} بعطف التفسير و نفس المعطوف أيضا بعضه يفسر بعضه، فهم كافرون بالله و رسله لأنهم بقولهم: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ} يريدون أن يفرقوا بين الله و رسله فيؤمنون بالله و بعض رسله و يكفروا ببعض رسله مع كونه رسولا من الله، و الرد عليه رد على الله تعالى.
ثم بين ذلك ببيان آخر بالعطف عليه عطف التفسير فقال: {وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} أي سبيلا متوسطا بين الإيمان بالله و رسله جميعا، و الكفر بالله و رسله جميعا، و هو الإيمان ببعض و الكفر ببعض، و لا سبيل إلى الله إلا الإيمان به و برسله جميعا فإن الرسول بما أنه رسول ليس له من نفسه شيء و لا له من الأمر شيء، فالإيمان به إيمان بالله و الكفر به كفر بالله محضا.
فالكفر بالبعض و الإيمان بالبعض و بالله ليس إلا تفرقة بين الله و بين رسله، و إعطاء الاستقلال للرسول فيكون الإيمان به غير مرتبط بالإيمان بالله، و الكفر به غير مرتبط بالكفر به فيكون طرفا لا وسطا، و كيف يصح فرض الرسالة ممن لا يرتبط الإيمان به و الكفر به بالإيمان بالله و الكفر به.
فمن البين الذي لا مرية فيه أن الإيمان بمن هذا شأنه و الخضوع له شرك بالله العظيم، و لذلك ترى أنه تعالى بعد وصفهم بأنهم يريدون بالإيمان ببعض الرسل و الكفر بالبعض أن يفرقوا بين الله و رسله و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ذكر أنهم كافرون بذلك حقا فقال: {أُولَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ حَقًّا} ثم أوعدهم فقال: {وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} .
قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} لما كفر أولئك المفرقين بين الله و رسله، و ذكر أنهم كافرون بالله و رسله ذكر من يقابلهم بالإيمان بالله و رسله على سبيل عدم التفرقة تتميما للأقسام.
و في الآيات التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير في قوله: {وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً

