تفسير الميزان ج۵
123[سورة النساء (٤): الآیات ١٤٨ الی ١٤٩ ]
{لاَ يُحِبُّ اَللَّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَ كَانَ اَللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ١٤٨ إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيراً ١٤٩}
بيان
قوله تعالى: {لاَ يُحِبُّ اَللَّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} قال الراغب في مادة «جهر» يقال لظهور الشيء بإفراط لحاسة البصر أو حاسة السمع، أما البصر فنحو رأيته جهارا، قال الله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً} {أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً} إلى أن قال و أما السمع فمنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ} و السوء من القول كل كلام يسوء من قيل فيه كالدعاء عليه، و شتمه بما فيه من المساوئ و العيوب و بما ليس فيه، فكل ذلك لا يحب الله الجهر به و إظهاره، و من المعلوم أنه تعالى منزه من الحب و البغض على حد ما يوجد فينا معشر الإنسان و ما يجانسنا من الحيوان، إلا أنه لما كان الأمر و النهي عندنا بحسب الطبع صادرين عن حب و بغض كني بهما عن الإرادة و الكراهة و عن الأمر و النهي.
فقوله: {لاَ يُحِبُّ اَللَّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ} كناية عن الكراهة التشريعية أعم من التحريم و الإعانة.
و قوله: {إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} استثناء منقطع أي لكن من ظلم لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول فيمن ظلمه من حيث ظلم، و هذه هي القرينة على أنه إنما يجوز له الجهر بالسوء من القول يبين فيه ما ظلمه، و يظهر مساوئه التي فيه مما ظلمه به، و أما التعدي إلى غيره مما ليس فيه، أو ما لا يرتبط بظلمه فلا دليل على جواز الجهر به من الآية.
و المفسرون و إن اختلفوا في تفسير السوء من القول فمن قائل إنه الدعاء عليه، و من قائل إنه ذكر ظلمه و ما تعدى به عليه و غير ذلك إلا أن الجميع مشمول لإطلاق الآية،

