تفسير الميزان ج۵
114هذا ما يقتضيه سياق الآية لو أخذت وحدها كما تقدم، لكن الآيات جميعا لا تخلو عن ظهور ما أو دلالة على كونها ذات سياق واحد متصلا بعضها ببعض، و على هذا التقدير يكون قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} في مقام التعليل لقوله: {وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} و يكون الآيتان ذواتي مصداق واحد أي إن من يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر هو الذي آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا، و يكون أيضا هو من المنافقين الذين تعرض تعالى لهم في قوله بعد: {بَشِّرِ اَلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} إلى آخر الآيات.
و على هذا يختلف المعنى المراد بقوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} (إلى آخر الآيات) بحسب ما فسر به قوله: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ} على ما تقدم من تفاسيره المختلفة:
فإن فسر بأن آمنوا بالله و رسوله في الباطن كما آمنتم به في الظاهر كان معنى الإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر ما يبتلى به المنافقون من اختلاف الحال دائما إذا لقوا المؤمنين و إذا لقوا الكفار.
و إن فسر بأن اثبتوا على الإيمان الذي تلبستم به كان المراد من الإيمان ثم الكفر و هكذا هو الردة بعد الردة المعروفة.
و إن فسر بأن المراد دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله و رسوله كان المراد بالإيمان ثم الكفر و هكذا الإيمان بموسى ثم الكفر به بعبادة العجل ثم الإيمان بعزير أو بعيسى ثم الكفر به ثم الازدياد فيه بالكفر (بمحمد صلى الله عليه وآله و سلم) و ما جاء به من عند ربه، كما قيل.
و إن فسر بأن ابسطوا إجمال إيمانكم على تفاصيل الحقائق كما استظهرناه كان قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} تعليلا منطبقا على حال المنافقين المذكورين فيما بعد، المفسرين بقوله: {اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ} فإن من اتصل بالكفار منفصلا عن مجتمع المؤمنين لا يخلو عن الحضور في محاضرهم و الاستيناس بهم، و الشركة في محاوراتهم، و التصديق لبعض ما يتذاكرونه من الكلام الذي لا يرتضيه الله سبحانه، و ينسبونه إلى الدين و أوليائه من المطاعن و المساوئ و يستهزءون و يسخرون به.
فهو كلما لقي المؤمنين و اشترك معهم في شيء من شعائر الدين آمن به، و كلما لقي

