تفسير الميزان ج۵
102من غير تطرف، و المندوب عليه أن يحسن إليهن و لا يظهر الكراهة لمعاشرتهن و لا يسيء إليهن خلقا، و كذا كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم).
و هذا الذيل أعني قوله: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} هو الدليل على أن ليس المراد بقوله: {وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ} نفى مطلق العدل حتى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (الآية) إلغاء تعدد الأزواج في الإسلام كما قيل.
و ذلك أن الذيل يدل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرف أصلا بلزوم حاق الوسط حقيقة، و أن المشرع هو العدل التقريبي عملا من غير تحرج.
على أن السنة النبوية و رواج الأمر بمرأى و مسمع من النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و السيرة المتصلة بين المسلمين يدفع هذا التوهم.
على أن صرف قوله تعالى في أول آية تعدد الأزواج: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ مَثْنى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ} (النساء: ٣) إلى مجرد الفرض العقلي الخالي عن المصداق ليس إلا تعمية يجل عنها كلامه سبحانه.
ثم قوله: {وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} تأكيد و ترغيب للرجال في الإصلاح عند بروز أمارات الكراهة و الخلاف ببيان أنه من التقوى، و التقوى يستتبع المغفرة و الرحمة، و هذا بعد قوله: {وَ اَلصُّلْحُ خَيْرٌ} و قوله: {وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا} تأكيد على تأكيد.
قوله تعالى: {وَ إِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} أي و إن تفرق الرجل و المرأة بطلاق يغن الله كلا منهما بسعته، و الإغناء بقرينة المقام إغناء في جميع ما يتعلق بالازدواج من الايتلاف و الاستيناس و المس و كسوة الزوجة و نفقتها فإن الله لم يخلق أحد هذين الزوجين للآخر حتى لو تفرقا لم يوجد للواحد منهما زوج مدى حياته بل هذه السنة سنة فطرية فاشية بين أفراد هذا النوع يميل إليها كل فرد بحسب فطرته.
و قوله: {وَ كَانَ اَللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً وَ لِلَّهِ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} تعليل للحكم المذكور في قوله: {يُغْنِ اَللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} .

