تفسير الميزان ج۵
100النساء، و فيه إشارة إلى نوع حرمانهن، الذي هو السبب لتشريع ما شرع الله تعالى لهن من الأحكام فألغى السنة الجائرة الجارية عليهن، و رفع الحرج بذلك عنهن، و ذلك أنهم كانوا يأخذون إليهم يتامى النساء و أموالهن فإن كانت ذات جمال و حسن تزوجوا بها فاستمتعوا من جمالها و مالها، و إن كانت شوهاء دميمة لم يتزوجوا بها و عضلوها عن التزوج بالغير طمعا في مالها.
و من هنا يظهر (أولا): أن المراد بقوله: {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} هو الكتابة التكوينية و هو التقدير الإلهي فإن الصنع و الإيجاد هو الذي يخد للإنسان سبيل الحياة فيعين له أن يتزوج إذا بلغ مبلغه، و أن يتصرف حرا في ماله من المال و القنية، فمنعه من الازدواج و التصرف في مال نفسه منع له مما كتب الله له في خلقه هذه الخلقة.
و (ثانيا): أن الجار المحذوف في قوله: {أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} هو لفظة «عن» و المراد الراغبة عن نكاحهن، و الإعراض عنهن لا الرغبة في نكاحهن فإن التعرض لذكر الرغبة عنهن هو الأنسب للإشارة إلى حرمانهن على ما يدل عليه قوله قبله: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} و قوله بعده: {وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلْوِلْدَانِ} .
و أما قوله: {وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلْوِلْدَانِ} فمعطوف على قوله: {يَتَامَى اَلنِّسَاءِ} و قد كانوا يستضعفون الولدان من اليتامى، و يحرمونهم من الإرث معتذرين بأنهم لا يركبون الخيل، و لا يدفعون عن الحريم.
قوله تعالى: {وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامى بِالْقِسْطِ} معطوف على محل قوله: {فِيهِنَّ} و المعنى: قل الله يفتيكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، و هذا بمنزلة الإضراب عن الحكم الخاص إلى ما هو أعم منه أعني الانتقال من حكم بعض يتامى النساء و الولدان إلى حكم مطلق اليتيم في ماله و غير ماله.
قوله تعالى: {وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} تذكرة لهم بأن ما عزم الله عليهم في النساء و في اليتامى من الأحكام فيه خيرهم، و أن الله عليم به لتكون ترغيبا لهم في العمل به لأن خيرهم فيه، و تحذيرا عن مخالفته لأن الله عليم بما يعملون.
قوله تعالى: {وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} حكم خارج عما استفتوا فيه لكنه متصل به بالمناسبة نظير الحكم المذكور في الآية التالية {وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا

