تفسير الميزان ج٤
92قوله تعالى: {وَ رَابِطُوا} أعم معنى من المصابرة و هي إيجاد الجماعة، الارتباط بين قواهم و أفعالهم في جميع شئون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة و حال الرخاء و لما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا و الآخرة و إلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا و ليست بحقيقة السعادة عقب هذه الأوامر بقوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يعني الفلاح التام الحقيقي.
كلام في المرابطة في المجتمع الإسلامي
١ الإنسان و الاجتماع
كون النوع الإنساني نوعا اجتماعيا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك، و لم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ و الآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها و يحكم على هذه الأرض.
و قد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الآية): «الحجرات: ١٣» و قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا}: «الزخرف: ٣٢»، و قال تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥»، و قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً}: «الفرقان: ٥٤»، إلى غير ذلك.۱
٢ الإنسان و نموه في اجتماعه
الاجتماع الإنساني كسائر الخواص الروحية الإنسانية و ما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تاما كاملا لا يقبل النماء و الزيادة بل هو كسائر الأمور الروحية الإدراكية الإنسانية لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية و المعنوية و على الحقيقة لم يكن من المتوقع أن يستثني هذه الخاصة من بين جميع الخواص الإنسانية فتظهر أول ظهورها تامة كاملة أتم ما يكون و أكمله بل هي كسائر الخواص الإنسانية التي لها ارتباط بقوتي العلم و الإرادة تدريجية الكمال في الإنسان.
و الذي يظهر من التأمل في حال هذا النوع أن أول ما ظهر من الاجتماع فيه
- و ليرجع في دلالة كل واحدة من الآيات إلى المحل المختص بها من هذا التفسير

