تفسير الميزان ج٤
96الواحد الحادث الذي هو الإنسان ، و عند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كل واحد من أجزائه و هي فوائد جمة من قبيل الفعل و الانفعال و الفوائد الروحية و المادية، و من فوائده حصول كثرة عجيبة في تلك الفوائد في عين الوحدة فإن المادة الإنسانية كالنطفة مثلا إذا استكملت نشأتها قدرت على إفراز شيء من المادة من نفسها و تربيتها إنسانا تاما آخر يفعل نظائر ما كان يفعله أصله و محتده من الأفعال المادية و الروحية فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان و هو واحد، و أفعالها كثيرة عددا واحدة نوعا و هي تجتمع و تأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية فهي مياه كثيرة ذو نوع واحد و هي ذات خواص كثيرة نوعها واحد و كلما جمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصة و عظم الأثر.
و قد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع و هدايتها إلى سعادتها الحقيقة هذا المعنى الحقيقي فيها و لا مناص من اعتباره، قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً}: «الفرقان: ٥٤»، و قال: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى}: «الحجرات: ١٣»، و قال: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥».
و هذه الرابطة الحقيقية بين الشخص و المجتمع لا محالة تؤدي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمده الأشخاص من وجودهم و قواهم و خواصهم و آثارهم فيتكون في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود و خواص الوجود و هو ظاهر مشهود، و لذلك اعتبر القرآن للأمة وجودا و أجلا و كتابا و شعورا و فهما و عملا و طاعة و معصية فقال: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ}: «الأعراف: ٣٤»، و قال: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتَابِهَا}: «الجاثية: ٢٨» و قال: {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}«الأنعام: ١٠٨»، و قال: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ}: «المائدة: ٦٦»، و قال: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اَللَّهِ}: «آل عمران: ١١٣»، و قال: {وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}: «غافر: ٥»، و قال: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}: «يونس: ٤٧».
و من هنا ما نرى أن القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك و العظماء، و لم يشتغل المؤرخون بتواريخ الأمم و المجتمعات إلا بعد نزول القرآن فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي و ابن خالدون حتى ظهر التحول الأخير في التاريخ النقلي

