تفسير الميزان ج٤
88الخلق لاح لهم أن الله سيحشر الناس للجزاء، و أنه تعالى سيجزي هناك الظالمين جزاء خزي و هو النار، و لا راد يرد مصلحة العقاب و إلا لبطل الخلقة، و هذا معنى قولهم: فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار.
قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً}، المراد بالمنادي رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و قوله: {أَنْ آمِنُوا}. بيان للنداء و أن تفسيرية، و لما ذكروا إيمانهم بالمنادي و هو الرسول و هو يخبرهم بأمور عن الله تعالى يحذرهم من بعضها كالذنوب و السيئات و الموت على الكفر و الذنب، و يرغبهم في بعضها كالمغفرة و الرحمة و تفاصيل الجنة التي وعد الله عباده المؤمنين الأبرار بها سألوا ربهم أن يغفر لهم و يكفر عن سيئاتهم و يتوفاهم مع الأبرار و سألوه أن ينجزهم ما وعدهم من الجنة و الرحمة على ما ضمنه لهم الرسل بإذن الله فقالوا: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}«إلخ» فقوله تعالى: {عَلىَ رُسُلِكَ} أي حملته على رسلك و ضمنه عليك الرسل، و قوله: {وَ لاَ تُخْزِنَا}، أي بإخلاف الوعد، و لذا عقبه بقوله: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ}.
و قد تبين من الآيات أنهم إنما حصلوا الاعتقاد بالله و اليوم الآخر و بأن لله رسلا بالنظر في الآيات و أما تفاصيل ما جاء به النبي فمن طريق الإيمان بالرسول فهم على الفطرة فيما يحكم به الفطرة، و على السمع و الطاعة فيما فيه ذلك.
قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}«إلخ» التعبير بالرب و إضافته إليهم يدل على ثوران الرحمة الإلهية و يدل عليه أيضا التعميم الذي في قوله: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}، فلا فرق عنده تعالى بين عمل و عمل، و لا بين عامل و عامل.
و على هذا فقوله تعالى في مقام التفريع: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أُوذُوا}«إلخ» في مقام تفصيل صالحات الأعمال لتثبيت ثوابها، و الواو للتفصيل دون الجمع حتى يكون لبيان ثواب المستشهدين من المهاجرين فقط.
و الآية مع ذلك لا تفصل إلا الأعمال التي تندب إليها هذه السورة و تبالغ في التحريض و الترغيب فيها، و هو إيثار الدين على الوطن و تحمل الأذى في سبيل الله و الجهاد.
و الظاهر أن المراد بالمهاجرة ما يشمل المهاجرة عن الشرك و العشيرة و الوطن لإطلاق اللفظ، و لمقابلته قوله: {وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ}، و هو هجرة خاصة، و لقوله

