تفسير الميزان ج٤
87(بيان)
الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب في هذه السورة، بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه، و التفكر في آياته و الاستجارة بالله من عذاب النار، و سؤال المغفرة و الجنة، و أن الله استجاب لهم و سيرزقهم ما سألوه هذه عامة حالهم و أن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاع قليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم، و قد استثنى منهم المتبعين للحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين.
قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}، كان المراد بالخلق كيفية وجودها و آثارها و أفعالها من حركة و سكون و تغير و تحول فيكون خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار مشتملا على معظم الآيات المحسوسة و قد تقدم بيانها في سورة البقرة۱. و تقدم أيضا معنى أولي الألباب٢.
قوله تعالى: {اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً}«إلخ» أي يذكرون الله في جميع حالاتهم من القيام و القعود و الاضطجاع، و قد مر البحث في معنى الذكر و التفكر، و محصل معنى الآيتين أن النظر في آيات السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار أورثهم ذكرا دائما لله فلا ينسونه في حال، و تفكرا في خلق السموات و الأرض يتذكرون به أن الله سيبعثهم للجزاء فيسألون عندئذ رحمته و يستنجزون وعده.
قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً}، إنما قيل {هَذَا} مع كون المشار إليه جمعا و مؤنثا إذ الغرض لا يتعلق بتمييز أشخاصها و أسمائها، و الجميع في أنها خلق واحد، و هذا نظير ما حكى الله تعالى من قول إبراهيم: {فَلَمَّا رَأَى اَلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ}: «الأنعام: ٧٨»، لعدم علمه بعد بحقيقتها و اسمها سوى أنها شيء.
و الباطل ما ليس له غاية يتعلق به الغرض قال تعالى: {فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ اَلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ}: «الرعد: ١٧» و لذلك لما نفوا البطلان عن
- تفسير آية: ١٦ من سورة البقرة.
- في تفسير الآية السابعة من هذه السورة.

