تفسير الميزان ج٤
83و إنما قالوا ذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى: {مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} (الآية): «البقرة: ٢٤٥» و يشهد بذلك بعض الشهادة اتصاله بالآية السابقة: {وَ لاَ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} (الآية).
أو أنهم قالوا ذلك لما رأوا فقر عامة المؤمنين و فاقتهم، فقالوا ذلك تعريضا بأن ربهم لو كان غنيا لغار لهم و أغناهم فليس إلا فقيرا و نحن أغنياء.
قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} (الآية)، المراد بالكتابة الحفظ و التثبيت أو الكتابة في صحائف أعمالهم، و المآل واحد، و المراد بقتل الأنبياء بغير حق القتل على العرفان و العمد دون السهو و الخطإ و الجهالة، و قد قارن الله قولهم هذا بقتلهم الأنبياء لكونه قولا عظيما، و قوله: {عَذَابَ اَلْحَرِيقِ}، الحريق النار أو اللهب و قيل: هو بمعنى المحرق.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} (الآية)، أي بما قدمتم أمامكم من العمل و نسب إلى الأيدي لأنها آلة التقديم غالبا، و قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} عطف على قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ}، و تعليل للكتابة و العذاب، فلو لم يكن ذلك الحفظ و الجزاء لكان إهمالا لأمر نظام الأعمال و في ذلك ظلم كثير بكثرة الأعمال فيكون ظلاما لعباده تعالى عن ذلك.
قوله تعالى: {اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اَللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} (الآية)، نعت للذين قبله و العهد هو الأمر، و القربان ما يتقرب به من النعم و غيره، و أكل النار كناية عن إحراقها، و المراد بقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي}، أمثال زكريا و يحيى من أنبياء بني إسرائيل المقتولين بأيديهم.
قوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ} (الآية)، تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في تكذيبهم له، و الزبر جمع زبور و هو كتاب الحكم و المواعظ، و قد أريد بالزبر و الكتاب المنير مثل كتاب نوح و صحف إبراهيم و التوراة و الإنجيل.
قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اَلْمَوْتِ} (الآية)، تتضمن الوعد للمصدق و الوعيد للمكذب و قد بدأ فيها بالحكم العام المقضي في حق كل ذي نفس، و التوفية هو الإعطاء الكامل، و قد استدل بعضهم بالآية على ثبوت البرزخ لدلالتها على سبق بعض الإعطاء

