تفسير الميزان ج٤
72الجنة، و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش.
فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و حسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، و في لفظ: قالوا: إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا عن الحرب فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هؤلاء الآيات: {وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا} (الآية) و ما بعدها.
أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة رووها عن أبي سعيد الخدري و عبد الله بن مسعود و أبي العالية و ابن عباس و غيرهم، و في بعضها: في صور طير خضر كرواية أبي العالية، و في بعضها: في طير خضر كرواية أبي سعيد، و في بعضها: كطير خضر كرواية ابن مسعود، و الألفاظ متقاربة.
و قد ورد من طرق أئمة أهل البيت: أن الرواية عرضت عليهم فأنكروها عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و في بعضها: أنهم أولوها، و لا شك بالنظر إلى الأصول الثابتة المسلمة في لزوم تأويل الرواية لو لم تطرح.
و الروايات مع ذلك ليست في مقام بيان حالهم في جنة الآخرة بل المراد بها جنة البرزخ و الدليل عليه ما في رواية ابن جرير عن مجاهد قال: يرزقون من ثمر الجنة و يجدون ريحها و ليسوا فيها، و ما في رواية ابن جرير عن السدي: أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش فهي ترعى بكرة و عشية في الجنة، و تبيت في القناديل.
و قد عرفت فيما تقدم من البحث في البرزخ أن مضمون هاتين الروايتين إنما يستقيم في جنة الدنيا و هي البرزخ لا في جنة الآخرة.
و في الدر المنثور: في قوله تعالى: {اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ} (الآية) أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و البيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) لحمراء الأسد و قد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أصحابه، و قالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم، فبلغه أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خرج في أصحاب يطلبهم فثنى ذلك أبا سفيان و أصحابه، و مر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة إلى أصحابه لنستأصلهم،

