تفسير الميزان ج٤
62النعم في معرض الزوال، و ارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداء و لا بعد الوجدان، فرفعه تعالى مطلق الخوف و الحزن عن الإنسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به و يستلذه، و أن لا يكون ذلك في معرض الزوال، و هذا هو خلود السعادة للإنسان و خلوده فيها.
و من هنا يتضح أن نفي الخوف و الحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند الله فهو سبحانه يقول: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ}: «آل عمران: ١٩٨»، و يقول: {وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ}: «النحل: ٩٦» فالآيتان تدلان على أن ما عند الله نعمة باقية لا يشوبها نقمة و لا يعرضها فناء.
و يتضح أيضا أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة و الفضل و هو العطية لكن تقدم في أوائل الكتاب و سيجيء في قوله تعالى: {مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ}: «النساء: ٦٩»، أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية، و على ذلك فالمعنى: أن الله يتولى أمرهم و يخصهم بعطية منه.
و أما احتمال أن يكون المراد بالفضل الموهبة الزائدة على استحقاقهم بالعمل، و النعمة ما بحذائه فلا يلائمه قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ} فإن الأجر يؤذن بالاستحقاق، و قد عرفت أن هذه الفقرات أعني قوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} و قوله: {فَرِحِينَ بِمَا} إلخ و قوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ} إلخ، و قوله: {وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ} مآلها إلى حقيقة واحدة.
و في الآيات أبحاث أخر تقدم بعضها في تفسير قوله: {وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ}: «البقرة: ١٥٤»، و لعل الله يوفقنا لاستيفاء ما يسعنا من البحث فيها في ما سيجيء من الموارد المناسبة إن شاء الله تعالى.
[سورة آلعمران (٣): الآیات ١٧٢ الی ١٧٥]
{اَلَّذِينَ اِسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ إِنَّ

