تفسير الميزان ج٤
56قوله تعالى: {وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الظاهر أن المراد مما يجمعون هو المال و ما يلحق به الذي هو عمدة البغية في الحياة الدنيا.
و قد قدم القتل هاهنا على الموت لأن القتل في سبيل الله أقرب من المغفرة بالنسبة إلى الموت فهذه النكتة هي الموجبة لتقديم القتل على الموت، و لذلك عاد في الآية التالية: {وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللَّهِ تُحْشَرُونَ} إلى الترتيب الطبعي بتقديم الموت على القتل لفقد هذه النكتة الزائدة.
قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} إلى آخر الآية، الفظ هو الجافي القاسي، و غلظ القلب كناية عن عدم رقته و رأفته، و الانفضاض التفرق.
و في الآية التفات عن خطابهم إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، و أصل المعنى: فقد لان لكم رسولنا برحمة منا، و لذلك أمرناه أن يعفو عنكم و يستغفر لكم و يشاوركم في الأمر و أن يتوكل علينا إذا عزم.
و نكتة الالتفات ما تقدم في أول آيات الغزوة أن الكلام فيه شوب عتاب و توبيخ، و لذلك اشتمل على بعض الأعراض في ما يناسبه من الموارد و منها هذا المورد الذي يتعرض فيه لبيان حال من أحوالهم لها مساس بالاعتراض على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فإن تحزنهم لقتل من قتل منهم ربما دلهم على المناقشة في فعل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و رميه بأنه أوردهم مورد القتل و الاستيصال، فأعرض الله تعالى عن مخاطبتهم و التفت إلى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم)فخاطبه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}.
و الكلام متفرع على كلام آخر يدل عليه السياق، و التقدير: و إذا كان حالهم ما تراه من التشبه بالذين كفروا و التحسر على قتلاهم فبرحمة منا لنت لهم و إلا لانفضوا من حولك. و الله أعلم.
و قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ} إنما سيق ليكون إمضاء لسيرته (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنه كذلك كان يفعل، و قد شاورهم في أمر القتال قبيل يوم أحد، و فيه إشعار بأنه إنما يفعل ما يؤمر و الله سبحانه عن فعله راض.
و قد أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يعفو عنهم فلا يرتب على فعالهم أثر المعصية، و أن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم و هو تعالى فاعله لا محالة و اللفظ و إن كان

