تفسير الميزان ج٤
51و أما احتمال كون الباء للآلة و كون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء فبعيد من ظاهر اللفظ فإن ظاهر {مَا كَسَبُوا} تقدم الكسب على التولي و الاستزلال.
و كيف كان فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب و الآثام مكن الشيطان أن أغواهم بالتولي و الفرار، و من هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أحد بقتل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) على ما في بعض الروايات ليس بشيء إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} هذا العفو هو عن الذين تولوا، المذكورين في صدر الآية، و الآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذ فتعم الطائفتين جميعا أعني الطائفة التي غشيهم النعاس و الطائفة التي أهمتهم أنفسهم، و الطائفتان مختلفتان بالتكرم بإكرام الله و عدمه، و لكونهما مختلفتين لم يذكر مع هذا العفو الشامل لهما معا جهات الإكرام التي اشتمل عليها العفو المتعلق بالطائفة الأولى على ما تقدم بيانه.
و من هنا يظهر أن هذا العفو المذكور في هذه الآية غير العفو المذكور في قوله: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}، و من الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ففرق واضح بين قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ} حيث إنه كلام مشعر بالفضل و الرأفة و قد سماهم مؤمنين ثم ذكر إثابتهم غما بغم لكيلا يحزنوا ثم إنزاله عليهم أمنة نعاسا، و بين قوله تعالى: {وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} حيث ذكر العفو و سكت عن جميع ما أكرم الطائفة الأولى به ثم ختم الكلام بذكر حلمه و هو أن لا يعجل في العقوبة و العفو الذي مع الحلم إغماض مع استبطان سخط.
فإن قلت: إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا.
قلت: معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق و إن صدق على الجميع مفهوم العفو على حد سواء، و لا دليل على كون العفو و المغفرة و ما يشابههما في جميع الموارد سنخا واحدا، و قد بينا وجه الاختلاف.
معنى العفو و المغفرة في القرآن
العفو على ما ذكره الراغب و هو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته هو القصد لتناول الشيء، يقال: عفاه و اعتفاه أي قصده متناولا ما عنده، و عفت الريح الدار

