تفسير الميزان ج٤
49على الأنبياء، فمن مقتول كزكريا، و مذبوح كيحيى، و مشرد كعيسى إلى غير ذلك.
نعم إذا توقف ظهور الحق بحقانيته على انتقاض نظام العادة دون السنة الواقعية و بعبارة أخرى دار أمر الحق بين الحياة و الموت كان على الله سبحانه أن يقيم صلب الدين و لا يدعه تدحض حجته، و قد مر شطر من هذا البحث في القول على الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب، و في الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه.
و لنرجع إلى ما كنا فيه: فقول هؤلاء الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ}، تشكك في حقية الدين و قد أدرجوا في هيكله روح الوثنية على ما مر بيانه، فأمر سبحانه نبيه ص أن يجيبهم فقال: {قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، و قد خاطب نبيه قبل ذلك بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ} فبين بذلك أن ملة الفطرة و دين التوحيد هو الذي لا يملك فيه الأمر إلا الله جل شأنه، و باقي الأشياء و منها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)ليست بمؤثرة شيئا بل هي في حيطة الأسباب و المسببات و السنة الإلهية التي تؤدي إلى جريان ناموس الابتلاء و الامتحان.
قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ}«إلخ»، و هذا توصيف لهم بما هو أشد من قولهم: {هَلْ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ}، فإنه كان تشكيكا في صورة السؤال، و هذا أعني قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} ترجيح في هيئة الاستدلال، و لذلك أبدوا قولهم الأول للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و أخفوا قولهم الثاني لاشتماله على ترجيح الكفر على الإسلام.
فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيبهم فقال: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلىَ مَضَاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اَللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}، فبين لهم:
أولا: أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق، و عدم كون الأمر لكم على ما تزعمون بل لأن القضاء الإلهي و هو الذي لا مناص من نفوذه و مضيه جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فلا مفر من الأجل المسمى الذي

