تفسير الميزان ج٤
46نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا، كما في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ وَ لاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الآية): «الحديد ٢٣».
فهذا ما يستقيم به نظم الآية و اتساق الجمل المتعاقبة، و للمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله: {فَأَثَابَكُمْ}، و من حيث معنى الغم الأول و الثاني و معنى الباء و معنى قوله: {لِكَيْلاَ}، ليست من الاستقامة على شيء و لا جدوى في نقلها و البحث عنها.
و على ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله: {لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلىَ مَا فَاتَكُمْ} هو الغلبة و الغنيمة، و مما أصاب ما أصاب القوم من القتل و الجرح.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشىَ طَائِفَةً مِنْكُمْ} الأمنة بالتحريك الأمن، و النعاس ما يتقدم النوم من الفتور و هو نوم خفيف، و نعاسا بدل من أمنة للملازمة عادة، و ربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب و طلبة، و هو حينئذ حال من ضمير عليكم، و نعاسا مفعول قوله: أنزل، و الغشيان: الإحاطة.
و الآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشي طائفة من القوم، و لم يعم الجميع بدليل قوله: {طَائِفَةً مِنْكُمْ}، و هؤلاء هم الذين رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) بعد الانهزام و الإصعاد لما ندموا و تحسروا، و حاشا أن يعفو الله عنهم عفو رحمة و هم في حال الفرار عن الزحف و هو من كبائر المعاصي و الآثام و قد قال: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَ اَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ}، و حاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء و المنكر حين يقترف من قبل أن يتوب و قد عنى في حقهم حين أثابهم غما بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه الله سبحانه على ما مر بيانه.
فهؤلاء بعض القوم و هم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) المحتفون به، و كان ذلك إنما كان حين فارق (صلى الله عليه وآله و سلم) جموع المشركين و عاد إلى الشعب، و إن كان عودهم إليه تدريجا بعد العلم بأنه لم يقتل.
و أما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم الله بقوله: {وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}.

