تفسير الميزان ج٤
44مراكزهم و اللحوق بمن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) لنيل الغنيمة ففشلوا و تنازعوا في الأمر و عصوا أمر النبي بأن لا يتركوا مراكزهم على أي حال، و على هذا فلا بد من تفسير الفشل بضعف الرأي، و أما كونه بمعنى الجبن فلا ينطبق عليهم إذ لم يكن ذلك منهم جبنا بل طمعا في الغنيمة، و لو كان الفشل بمعنى الجبن كان منطبقا على حال جميع القوم و يكون على هذا {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ}، مفيدة للتراخي الرتبي دون الزماني.
و يدل لفظ التنازع على أن الكل لم يكونوا مجمعين على الفشل و المعصية بل كان بعضهم يصر على الإطاعة و البقاء على الائتمار و لذا قال تعالى بعده: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيَا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ}.
قوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل و التنازع و المعصية، و بالجملة بعد وقوع الاختلاف بينكم ليمتحنكم و يختبر إيمانكم و صبركم في الله إذ الاختلاف في القلوب هو أقوى العوامل المقتضية لبسط الابتلاء ليتميز المؤمن من المنافق، و المؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال، و مع ذلك فإن الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال: {وَ لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}.
قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلىَ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} الإصعاد هو الذهاب و الإبعاد في الأرض بخلاف الصعود فهو الارتقاء إلى مكان عال يقال: أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيدا، و صعد في السلم أي ارتقى، و قيل: إن الإصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود.
و الظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون، أو بقوله: {صَرَفَكُمْ}، أو بقوله {لِيَبْتَلِيَكُمْ}، على ما قيل و قوله: {وَ لاَ تَلْوُونَ}، من اللي بمعنى الالتفات و الميل قال في المجمع: و لا يستعمل إلا في النفي لا يقال: لويت على كذا، انتهى.
و قوله: {وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}، الأخرى مقابل الأولى و كون الرسول يدعو و هو في أخراهم يدل على أنهم تفرقوا عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و هم سواد ممتد على طوائف أولاهم مبتعدون عنه (صلى الله عليه وآله و سلم) و أخراهم بقرب منه، و هو يدعوهم من غير أن يلتفت إليه لا أولاهم و لا أخراهم فتركوه (صلى الله عليه وآله و سلم) بين جموع المشركين و هم يصعدون فرارا من القتل.

