تفسير الميزان ج٤
37(بيان)
قوله تعالى: {وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ}الموت زهاق الروح و بطلان حياة البدن، و القتل هو الموت إذا كان مستندا إلى سبب عمدي أو نحوه، و الموت و القتل إذا افترقا كان الموت أعم من القتل، و إذا اجتمعا كان الموت هو ما بحتف الأنف و القتل خلافه.
و انقلب على عقبيه أي رجع قال الراغب: و رجع على عقبيه إذا انثنى راجعا، و انقلب على عقبيه نحو رجع على حافرته، و نحو ارتدا على آثارهما قصصا، و قولهم رجع عوده إلى بدئه، انتهى.
و حيث جعل الانقلاب على الأعقاب جزاء للشرط الذي هو موت الرسول أو قتله أفاد ذلك أن المراد به الرجوع عن الدين دون التولي عن القتال إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أو قتله، و إنما النسبة و الرابطة بين موته أو قتله و بين الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.
و يدل على أن المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله: {وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجَاهِلِيَّةِ} إلى آخر الآيات، على أن نظير ما وقع في أحد من فرارهم من الزحف و توليهم عن القتال تحقق في غيره كغزوة حنين و خيبر و غيرهما و لم يخاطبهم الله بمثل هذا الخطاب و لا عبر عن توليهم عن القتال بمثل هذه الكلمة قال تعالى: {وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}: البراءة - ٢٥، فالحق أن المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق.
فمحصل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب و التوبيخ: أن محمدا ص ليس إلا رسولا من الله مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلا تبليغ رسالة ربه لا يملك من الأمر شيئا، و إنما الأمر لله و الدين دينه باق ببقائه، فما معنى اتكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، و رجعتم إلى أعقابكم القهقرى و اتخذتم الغواية بعد الهداية؟
و هذا السياق أقوى شاهد على أنهم ظنوا يوم أحد بعد حمي الوطيس أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قد قتل فانسلوا عند ذلك و تولوا عن القتال، فيتأيد بذلك ما ورد في الرواية و التاريخ

