تفسير الميزان ج٤
166الحوب الإثم مصدر و اسم مصدر.
قوله تعالى: {وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامىَ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسَاءِ} قد مرت الإشارة فيما مر إلى أن أهل الجاهلية من العرب و كانوا لا يخلون في غالب الأوقات عن الحروب و المقاتل و الغيلة و الغارة و كان يكثر فيهم حوادث القتل كان يكثر فيهم الأيتام، و كانت الصناديد و الأقوياء منهم يأخذون إليهم يتامى النساء و أموالهن فيتزوجون بهن و يأكلون أموالهن إلى أموالهم ثم لا يقسطون فيهن و ربما أخرجوهن بعد أكل مالهن فيصرن عاطلات ذوات مسكنة لا مال لهن يرتزقن به و لا راغب فيهن فيتزوج بهن و ينفق عليهن، و قد شدد القرآن الكريم النكير على هذا الدأب الخبيث و الظلم الفاحش، و أكد النهي عن ظلم اليتامى و أكل أموالهم كقوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}: «النساء: ١٠»، و قوله تعالى: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ أَمْوَالَهُمْ وَ لاَ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلىَ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (الآية): «النساء: ٢» فأعقب ذلك أن المسلمين أشفقوا على أنفسهم كما قيل و خافوا خوفا شديدا حتى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفا من الابتلاء بأموالهم و التفريط في حقهم، و من أمسك يتيما عنده أفرز حظه من الطعام و الشراب و كان إذا فضل من غذائهم شيء لم يدنوا منه حتى يبقى و يفسد فأصبحوا متحرجين من ذلك و سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) عن ذلك و شكوا إليه فنزل: {وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَامىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ وَ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: «البقرة: ٢٢٠»، فأجاز لهم أن يأووهم و يمسكوهم إصلاحا لشأنهم و أن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم و فرج همهم.
إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى: {وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتَامىَ فَانْكِحُوا}«إلخ» و هو واقع عقيب قوله: {وَ آتُوا اَلْيَتَامىَ أَمْوَالَهُمْ} (الآية) اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية السابقة و المعنى و الله أعلم: اتقوا أمر اليتامى، و لا تتبدلوا خبيث أموالكم من طيب أموالهم، و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنكم إن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات منهم و لم تطب نفوسكم أن تنكحوهن و تتزوجوا بهن فدعوهن و انكحوا نساء غيرهن ما

