تفسير الميزان ج٤
160على أن التاريخ يحكي دعوته (صلى الله عليه وآله و سلم) اليهود و هم من بني إسرائيل، و الروم و العجم و الحبشة و مصر و ليسوا من العرب، و قد آمن به من المشاهير سلمان و هو من العجم و مؤذنه بلال و هو من الحبشة و صهيب و هو من الروم، فعموم نبوته (صلى الله عليه وآله و سلم) في زمانه لا ريب فيه، و الآيات السابقة تشمل بعمومها الأزمان و الأمكنة أيضا.
على أن قوله تعالى: {وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}: «حم السجدة: ٤٢» و قوله تعالى: {وَ لَكِنْ رَسُولَ اَللَّهِ وَ خَاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ}: «الأحزاب: ٤٠» تدلان على عموم النبوة و شمولها للأمكنة و الأزمنة أيضا، و البحث التفصيلي عن هذه الآيات يطلب من تفسيرها في مواردها.
و كيف كان فالنبوة عامة، و المتأمل في سعة المعارف و القوانين الإسلامية و ما كان عليه الدنيا يوم ظهر الإسلام من ظلمة الجهل و قذارة الفساد و البغي لا يرتاب في عدم إمكان مواجهة الدنيا و مكافحة الشرك و الفساد حينئذ دفعة.
بل كان من الواجب في الحكمة أن تبدأ الدعوة بالبعض و أن يكون ذلك البعض هو قوم رسول الله ص ثم يظهر بركوز الدين فيهم على غيرهم و هكذا كان، قال تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}: «إبراهيم: ٤» و قال: {وَ لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلىَ بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}: «الشعراء: ١٩٩» و الآيات التي تدل على ارتباط الدعوة و الإنذار بالعرب لا تدل على أزيد من كونهم بعض من تعلقت بهم الدعوة و الإنذار، و كذا الآيات النازلة في التحدي بالقرآن لو كان فيها ما ينحصر تحديه بالبلاغة فحسب إنما هي لكون البلاغة إحدى جهات التحدي بالإعجاز، و لا دليل في ذلك على كون الأمة العربية هي المقصودة بالدعوة فقط نعم اللسان مقصود بالاستقلال للبيان كما مر من قوله: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (الآية)، و قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا اَلْقُرْآنَ}: «يوسف: ٣» و قوله: {وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ عَلىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}: «الشعراء: ١٩٥» فاللسان العربي هو المظهر للمعاني و المقاصد الذهنية أتم إظهار، و لذلك اختاره الله سبحانه لكتابه العزيز من بين الألسن و قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: «الزخرف: ٣».
و بالجملة أمره الله تعالى بعد القيام بأصل الدعوة أن يبدأ بعشيرته فقال: {وَ أَنْذِرْ

