تفسير الميزان ج٤
154و أما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الروم و الفرس و الحبشة و الهند و غيرهم فالقرآن يجمل القول فيه. أما أهل الكتاب منهم أعني اليهود و النصارى و من يلحق بهم فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبدادية و التحكمات الفردية من الملوك و الرؤساء و الحكام و العمال فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين طبقة حاكمة فعالة لما تشاء تعبث بالنفس و العرض و المال، و طبقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال و عرض و نفس، و لا حرية إرادة إلا ما وافق من يفوقها، و قد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين و حملة الشرع و أتلفت بهم، و أخذت مجامع قلوب العامة و أفكارهم بأيديهم فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس و دنياهم تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء و أقلامهم و في دنياهم بالسوط و السيف.
و قد اقتسمت الطبقة المحكومة أيضا على حسب قوتها في السطوة و الجدة فيما بينهم نظير الاقتسام الأول (و الناس على دين ملوكهم) إلى طبقتي الأغنياء المترفين و الضعفاء و العجزة و العبيد، و كذا إلى رب البيت و مربوبيه من النساء و الأولاد، و كذا إلى الرجال المالكين لحرية الإرادة و العمل في جميع شئون الحياة و النساء المحرومات من جميع ذلك التابعات للرجال محضا الخادمات لهم في ما أرادوه منهن من غير استقلال و لو يسيرا.
و جوامع هذه الحقائق التاريخية ظاهرة من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلىَ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللَّهَ وَ لاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}: «آل عمران: ٦٤» و قد أدرجها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) في كتابه إلى هرقل عظيم الروم، و قد قيل إنه كتب بها أيضا إلى عظيم مصر و عظيم الحبشة و ملك الفرس و إلى نجران.
و كذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: «الحجرات: ١٣»، و قوله في ما وصى به التزوج بالإماء و الفتيات: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}: «النساء: ٢٥، و قوله في النساء: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥»، إلى غير ذلك من الآيات.
و أما غير أهل الكتاب و هم يومئذ الوثنية و من يلحق بهم فقد كان الوضع فيهم أردأ و أشأم من وضع أهل الكتاب، و الآيات النازلة في الاحتجاج عليهم تكشف عن

