تفسير الميزان ج٤
151فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ٦}
(بيان)
الآيات تتمة التمهيد و التوطئة التي وضعت في أول السورة لبيان أحكام المواريث و عمدة أحكام التزويج كعدد النساء و تعيين المحارم و هذان البابان من أكبر أبواب القوانين الحاكمة في المجتمع الإنساني و أعظمها، و لهما أعظم التأثير في تكون المجتمع و بقائه فإن النكاح يتعين به وضع المواليد من الإنسان الذين هم أجزاء المجتمع و العوامل التي تكونه، و الإرث يتعلق بتقسيم الثروة الموجودة في الدنيا التي يبتني عليها بنية المجتمع في عيشته و بقائه.
و قد تعرضت الآيات في ضمن بيانها للنهي عن الزنى و السفاح و النهي عن أكل المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض و عند ذلك تأسس أساسان قيمان لأمر المجتمع في أهم ما يشكله و هو أمر المواليد و أمر المال.
و من هنا يظهر وجه العناية بالتمهيد المسوق لبيان هذه الأحكام التي تعلقت بالاجتماع الإنساني و نشبت في أصوله و جذوره. و صرف الناس عما اعتادت عليه جماعتهم، و التحمت عليه أفكارهم، و نبتت عليه لحومهم، و مات عليه أسلافهم، و نشأ عليه أخلافهم عسير كل العسر.
و هذا شأن ما شرع في صدر هذه السورة من الأحكام المذكورة، يتضح ذلك بتأمل إجمالي في وضع العالم الإنساني يومئذ بالعموم و في وضع العالم العربي و (دارهم دار نزول القرآن و ظهور الإسلام) بالخصوص، و في كيفية تدرج القرآن في نزوله و ظهور الأحكام الإسلامية في تشريعها.
كلام في الجاهلية الأولى
القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية، و ليس إلا إشارة منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم، و المسيطر عليهم في كل شيء الباطل

