تفسير الميزان ج٤
138الأرحام إلى صنعه و خلقه تعالى، و قد نسب التقوى في كلامه تعالى إلى غيره كما في قوله: {وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ}: «البقرة: ٢٨١»، و قوله: {وَ اِتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}: «آل عمران: ١٣١»، و قوله: {وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}: «الأنفال: ٢٥».
و كيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق و التضييق بعد التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه أعني قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا} إلى قوله: {وَ نِسَاءً}، فإن محصل معنى الشطر الأول: أن اتقوا الله من جهة ربوبيته لكم، و من جهة خلقه و جعله إياكم معاشر أفراد الإنسان من سنخ واحد محفوظ فيكم و مادة محفوظة متكثرة بتكثركم، و ذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية، و محصل معنى هذا الشطر: أن اتقوا الله من جهة عظمته و عزته عندكم (و ذلك من شئون الربوبية و فروعها) و اتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم (و الرحم شعبة من شعب الوحدة و السنخية السارية بين أفراد الإنسان).
و من هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى و إعادته ثانيا في الجملة الثانية فإن الجملة الثانية في الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة و هي إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام.
و الرحم في الأصل رحم المرأة و هي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة وليدا، ثم أستعير للقرابة بعلاقة الظرف و المظروف لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة، فالرحم هو القريب و الأرحام الأقرباء، و قد اعتنى القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم و الأمة، فإن الرحم مجتمع صغير كما أن القوم مجتمع كبير، و قد اعتنى القرآن بأمر المجتمع و عده حقيقة ذات خواص و آثار كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان و عده حقيقة ذات خواص و آثار تستمد من الوجود، قال تعالى: {وَ هُوَ اَلَّذِي مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}: «الفرقان: ٥٤» و قال تعالى: {وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}: «الحجرات: ١٣»، و قال تعالى: {وَ أُولُوا اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اَللَّهِ}: «الأحزاب: ٦»، و قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}: «سورة محمد: ٢٢»،

