تفسير الميزان ج٤
137أن يشاركهما فيه غيرهما حيث قال: و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و لم يقل: منهما و من غيرهما، و يتفرع عليه أمران:
أحدهما: أن المراد بقوله: {رِجَالاً كَثِيراً وَ نِسَاءً} أفراد البشر من ذريتهما بلا واسطة أو مع واسطة فكأنه قيل: و بثكم منهما أيها الناس.
و ثانيهما: أن الازدواج في الطبقة الأولى بعد آدم و زوجته أعني في أولادهما بلا واسطة إنما وقع بين الإخوة و الأخوات (ازدواج البنين بالبنات) إذ الذكور و الإناث كانا منحصرين فيهم يومئذ، و لا ضير فيه فإنه حكم تشريعي راجع إلى الله سبحانه فله أن يبيحه يوما و يحرمه آخر، قال تعالى: {وَ اَللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}: الرعد -٤١، و قال: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ}: يوسف- ٤٠، و قال: {وَ لاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}: الكهف- ٢٦، و قال: {وَ هُوَ اَللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ اَلْحَمْدُ فِي اَلْأُولىَ وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُ اَلْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: القصص- ٧٠.
قوله تعالى: {وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي تَسَائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحَامَ} المراد بالتساؤل سؤال بعض الناس بعضا بالله، يقول أحدهم لصاحبه: أسألك بالله أن تفعل كذا و كذا هو إقسام به تعالى، و التساؤل بالله كناية عن كونه تعالى معظما عندهم محبوبا لديهم فإن الإنسان إنما يقسم بشيء يعظمه و يحبه.
و أما قوله: {وَ اَلْأَرْحَامَ} فظاهره أنه معطوف على لفظ الجلالة، و المعنى: و اتقوا الأرحام، و ربما قيل: إنه معطوف على محل الضمير في قوله: به و هو النصب يقال: مررت بزيد و عمرا، و ربما أيدته قراءة حمزة: و الأرحام بالجر عطفا على الضمير المتصل المجرور و إن ضعفه النحاة فيصير المعنى: و اتقوا الله الذي تساءلون به و بالأرحام يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله و أسألك بالرحم، هذا ما قيل، لكن السياق و دأب القرآن في بياناته لا يلائمانه فإن قوله: {وَ اَلْأَرْحَامَ} إن جعل صلة مستقلة للذي، و كان تقدير الكلام: و اتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام كان خاليا من الضمير و هو غير جائز، و إن كان المجموع منه و مما قبله صلة واحدة للذي كان فيه تسوية بين الله عز اسمه و بين الأرحام في أمر العظمة و العزة و هي تنافي أدب القرآن.
و أما نسبة التقوى إلى الأرحام كنسبته إليه تعالى فلا ضير فيها بعد انتهاء

