تفسير الميزان ج٤
128التامة لكل متفكر يرى نفسه صالحة للتفكر مستعدة للبحث و التنقير أن يتفكر فيما يتعلق بمعارف الدين و يتعمق في تفهمها و النظر فيها. على أن الآيات القرآنية مشحونة بالحث و الترغيب في التفكر و التعقل و التذكر.
و من المعلوم أن اختلاف العوامل الذهنية و الخارجية مؤثرة في اختلاف الأفهام من حيث تصورها و تصديقها و نيلها و قضائها و هذا يؤدي إلى الاختلاف في الأصول التي بني على أساسها المجتمع الإسلامي كما تقدم.
إلا أن الاختلاف بين إنسانين في الفهم على ما يقضي به فن معرفة النفس و فن الأخلاق و فن الاجتماع يرجع إلى أحد أمور إما إلى اختلاف الأخلاق النفسانية و الصفات الباطنة من الملكات الفاضلة و الردية فإن لها تأثيرا وافرا في العلوم و المعارف الإنسانية من حيث الاستعدادات المختلفة التي تودعها في الذهن فما إدراك الإنسان المنصف و قضاؤه الذهني كإدراك الشموس المتعسف، و لا نيل المعتدل الوقور للمعارف كنيل العجول و المتعصب و صاحب الهوى و الهمجي الذي يتبع كل ناعق و الغوي الذي لا يدري أين يريد؟ و لا أنى يراد به، و التربية الدينية تكفي مئونة هذا الاختلاف فإنها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينية من المعارف و العلوم، و تستولد من الأخلاق ما يناسب تلك الأصول و هي مكارم الأخلاق قال تعالى: {كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسىَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلىَ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ}: «الأحقاف: ٣٠» و قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: «المائدة: ١٦» و قال تعالى: {وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ}: «العنكبوت: ٦٩» و انطباق الآيات على مورد الكلام ظاهر.
و إما أن يرجع إلى اختلاف الأفعال فإن الفعل المخالف للحق كالمعاصي و أقسام التهوسات الإنسانية و من هذا القبيل أقسام الإغواء و الوساوس يلقن الإنسان و خاصة العامي الساذج الأفكار الفاسدة و يعد ذهنه لدبيب الشبهات و تسرب الآراء الباطلة فيه و تختلف إذ ذاك الأفهام و تتخلف عن اتباع الحق! و قد كفى مئونة هذا أيضا الإسلام حيث أمر المجتمع بإقامة الدعوة الدينية دائما أولا، و كلف المجتمع بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ثانيا، و أمر بهجرة أرباب الزيغ و الشبهات ثالثا. قال تعالى:

