تفسير الميزان ج٤
125و التولي بالشور في غير الأحكام من حوادث الوقت و المحل كما تقدم و الدليل على ذلك كله جميع ما تقدم من الآيات في ولاية النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مضافة إلى قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}: «الأحزاب: ٢١».
١٣ ثغر المملكة الإسلامية هو الاعتقاد دون الحدود الطبيعية أو الاصطلاحية
ألغى الإسلام أصل الانشعاب القومي من أن يؤثر في تكون المجتمع أثره ذاك الانشعاب الذي عامله الأصلي البدوية و العيش بعيشة القبائل و البطون أو اختلاف منطقة الحياة و الوطن الأرضي، و هذان أعني البدوية و اختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانوية من حرارة و برودة و جدب و خصب و غيرهما هما العاملان الأصليان لانشعاب النوع الإنساني شعوبا و قبائل و اختلاف ألسنتهم و ألوانهم على ما بين في محله.
ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض على حسب مساعيهم في الحياة و بأسهم و شدتهم و تخصيصها بأنفسهم و تسميتها وطنا يألفونه و يذبون عنه بكل مساعيهم.
و هذا و إن كان أمرا ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعية التي تدفعهم الفطرة إلى رفعها غير أن فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد، فإن من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتتة و تألفها و تقويها بالتراكم و التوحد لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم و أصلح، و هذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية حتى تصير عنصرا ثم... ثم نباتا ثم حيوانا ثم إنسانا.
و الانشعابات بحسب الأوطان تسوق الأمة إلى توحد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنية الأخرى فيصير واحدا منفصل الروح و الجسم عن الآحاد الوطنية الأخرى فتنعزل الإنسانية عن التوحد و التجمع و تبتلي من التفرق و التشتت بما كانت تفر منه و يأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة (أعني الآحاد الاجتماعية) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام و استثمار و غير ذلك، و التجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك و ما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم.
و هذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابات و التشتتات و التميزات،

