تفسير الميزان ج٤
123مزية في ذلك لبعضهم و لا اختصاص منهم ببعضهم، و النبي و من دونه في ذلك سواء، قال تعالى: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}«آل عمران: ١٩٥»، فإطلاق الآية يدل على أن التأثير الطبيعي الذي لأجزاء المجتمع الإسلامي في مجتمعهم مراعى عند الله سبحانه تشريعا كما راعاه تكوينا و أنه تعالى لا يضيعه، و قال تعالى: {إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ اَلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}: «الأعراف: ١٢٨».
نعم لرسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) الدعوة و الهداية و التربية، قال تعالى: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ}: «الجمعة: ٢»، فهو (صلى الله عليه وآله و سلم) المتعين من عند الله للقيام على شأن الأمة و ولاية أمورهم في الدنيا و الآخرة و للإمامة لهم ما دام حيا.
لكن الذي يجب أن لا يغفل عنه الباحث أن هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية التي تجعل مال الله فيئا لصاحب العرش و عباد الله أرقاء له يفعل بهم ما يشاء و يحكم فيهم ما يريد و ليست هي من الطرق الاجتماعية التي وضعت على أساس التمتع المادي من الديمقراطية و غيرها فإن بينها و بين الإسلام فروقا بينة مانعة من التشابه و التماثل.
و من أعظمها أن هذه المجتمعات لما بنيت على أساس التمتع المادي نفخت في قالبها روح الاستخدام و الاستثمار و هو الاستكبار الإنساني الذي يجعل كل شيء تحت إرادة الإنسان و عمله حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان، و يبيح له طريق الوصول إليه و التسلط على ما يهواه و يأمله منه لنفسه، و هذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في الأعصار السالفة و قد ظهرت في زي الاجتماع المدني على ما هو نصب أعيننا اليوم من مظالم الملل القوية و إجحافاتهم و تحكماتهم بالنسبة إلى الأمم الضعيفة و على ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ.
فقد كان الواحد من الفراعنة و القياصرة و الأكاسرة يجري في ضعفاء عهده بتحكمه و لعبه كل ما يريده و يهواه. و يعتذر لو اعتذر إن ذلك من شئون السلطنة و لصلاح المملكة و تحكيم أساس الدولة، و يعتقد أن ذلك حق نبوغه و سيادته، و يستدل عليه بسيفه، كذلك إذا تعمقت في المرابطات السياسية الدائرة بين أقوياء

